كنت بنضف مدخل الشركة، وفجأة شوفت 5 رجالة محاصرين مديرتي عند الحيطة الرخام. كانوا لابسين بدل غالية وبيضحكوا، وهي واقفة بتترعش وأنا لسه ماسك الممسحة في إيدي. قريت الرسالة اللي وصلت لها مش لازم نلمسها كفاية نخليها تصدق إننا نقدر نوصل للولد. ما صرختش. اتصلت بالشرطة، وسلّمت واحد منهم وهو متكلبش. لكن قبل ما الموضوع يخلص، لمحت إمضاه على أمر إيقاف كاميرات المراقبة وكانت الصدمة إن الإمضا دي كانت إمضته هو. عامل النظافة رمى الممسحة من إيده في نص المدخل، أول ما شاف مديرة الشركة واقفة وظهرها لازق في حائط من الرخام، وحواليها 5 رجالة محدش شافهم وهما بيدخلوا.
كانت الساعة 846 بالليل في يوم خميس والدنيا بتمطر. مقر شركة الأطلس للتكنولوجيا في القاهرة كان تقريبًا فاضي، ومعظم الموظفين كانوا مشيوا. أدهم فؤاد، عنده 41 سنة، كان لسه بيخلص تنظيف أرضية المدخل. بقاله سنتين شغال في الشركة. يونيفورم رمادي. عربية تنظيف بتطلع صوت وهي ماشية حكايات بسمة وطبعه هادي لدرجة إن ناس كتير من المديرين كانوا بيعدوا من جنبه من غير حتى ما يسلموا عليه.
بالنسبة لهم كان مجرد عامل النظافة. لكن بالنسبة لبنته نور، عندها 8 سنين، كان هو كل الدنيا. كل يوم بعد شغله، أدهم كان بيرجع لشقته الصغيرة في شبرا، يلاقي نور قاعدة على ترابيزة المطبخ بتعمل واجبها. مراته مي كانت ماتت من سنين بعد مرض مفاجئ. ومن يومها، أدهم قرر يعيد ترتيب حياته كلها عشان بنته. ما كانش عايزها تكبر وهي مستنية أبوها يرجع من شغل ما بيخلصش. كان لازم يكون موجود في حياتها. لكن كان فيه شخص واحد بس في الشركة حس إن أدهم مش مجرد عامل نظافة.
كانت ليلى منصور، المديرة التنفيذية للشركة. ليلى عندها 38 سنة. معروفة بقوتها في التفاوض، ومحدش تقريبًا كان يقدر يضغط عليها في أي صفقة. لكن كان عندها عادة غريبة بالنسبة لمديرة كبيرة بالشكل ده. كانت بتفتكر أسماء كل العاملين. كانت بتشكر أدهم لما يعدي ينضف مكتبها. وتسأله عن نور. وعمرها ما كانت تسيب فنجان قهوة على مكتب وتفترض إن حد أقل منها هييجي يشيله. في مرة عرفت إن أدهم بياخد ساعات إضافية عشان يقدر يدفع لبنته كورس إنجليزي. ما قالتلوش أي حاجة.
لكنها وافقت له على مساعدة تعليمية، واتسجلت كمزية عامة للموظفين أصحاب المرتبات الأقل. أدهم عرف بالموضوع بعد فترة. لكنه عمره ما اتكلم معاها فيه عشان ما يحسسهاش إنها عملت له معروف. في الليلة دي، كان بيحط مواد التنظيف في العربية، لما شاف عربية SUV سودا وقفت قدام مدخل الشركة. نزل منها 5 رجالة. بدل غالية. ساعات فخمة. ونظرات مش مريحة. أدهم وقف عن التنظيف. في حاجات معينة الواحد بيتعلم يلاحظها من أول نظرة.
واحد منهم وقف عند الباب يراقب الدخول والخروج. التاني وقف جنب الأسانسيرات حكايات بسمة والتالت رفع عينه ناحية كاميرات المراقبة وبعد ثواني، الكاميرات بطلت تشتغل. أدهم ساب العربية مكانها وفضل يراقب. بعدها بدقايق، نزلت ليلى من الدور الإداري. أول ما شافت الرجالة، ملامحها اتغيرت. واحد منهم قرب منها وقال يا مدام ليلى، محتاجينك تمضي على شوية ورق. رجعت خطوة لورا. محاميّ هيكون موجود وأنا همضي قدامه.
رجعت خطوة لورا. محاميّ هيكون موجود وأنا همضي قدامه. أضخم واحد فيهم مسك دراعها وزقها ناحية الحيطة. أدهم حس إن جسمه كله شد. بص ناحية مكتب الأمن. مفيش حد جه. الحارسين اللي المفروض يكونوا واقفين عند المدخل اختفوا. واحد من الرجالة بص لأدهم وضحك ارجع لعربيتك يا عم وخليك في شغلك. أدهم ما ردش. فضل واقف مكانه. لكن عينه كانت بتتحرك بسرعة. بص على المخارج. وبعدين على إيديهم. وبعدين المسافات بينهم.
وفي أقل من 3 ثواني، فهم بالضبط اللي بيحصل حكايات بسمة لأن الحاجة اللي محدش في الشركة يعرفها عن أدهم إنه قبل ما يلبس يونيفورم عامل النظافة، كان عايش 15 سنة في مجال الحراسة والتأمين. اشتغل في حماية شخصيات مهمة، ورجال أعمال، ومسؤولين، وشهود في قضايا حساسة. كان فاهم كويس جدًا يعني إيه مجموعة رجالة تدخل مكان من غير ما حد يمنعهم. ويعني إيه كاميرات تتقفل قبل بداية التهديد. ويعني إيه حارسين أمن يختفوا في نفس اللحظة. لكنه ساب المجال ده كله يوم ما وصل المستشفى متأخر. كان مراته مي بتقضي آخر ساعاتها.
ومن يومها، أقسم إن مفيش شغل ولا فلوس هتخليه يضيع طفولة نور منه. واحد من الرجالة زق ليلى تاني. المرة دي أدهم ساب الممسحة تقع على الأرض. ومشى ناحيتهم. وقف بينهم وبينها. وقال بهدوء سيبها. الراجل الكبير ابتسم بسخرية. وإنت هتعمل إيه يعني؟ أدهم ما ردش. لكن واحد من الرجالة اللي واقفين ورا، أول ما ركز في وشه اتغير لونه. فضل باصص له ثواني. وبعدين رجع خطوة لورا. وقال بصوت واطي، وكأنه مش مصدق اللي قدامه فؤاد؟ أدهم رفع عينه له.
الرجل بلع ريقه وقال مستحيل وفجأة، كل اللي في المكان بصوا لأدهم بطريقة مختلفة. لأول مرة، ما حدش شافه عامل نظافة. لأن الراجل اللي واقف قدامهم كان شخصًا من ماضيهم، هما نفسهم كانوا بيحاولوا يهربوا منه. الراجل اللي نطق اسم فؤاد كان واقف مكانه كأنه شاف شخصًا من الماضي رجع فجأة. أدهم بص له من غير ما يرمش. لسه فاكرني يا شريف؟ شريف ما ردش. بص بسرعة للراجل الكبير، وبعدين رجع عينه لأدهم. إنت اختفيت من سنين… إيه اللي جابك هنا؟ أدهم ابتسم ابتسامة خفيفة. أنا اللي المفروض أسألك السؤال ده.
ليلى كانت لسه واقفة جنب الحيطة، مش فاهمة أي حاجة. قالت بصوت متوتر أدهم… إنت تعرفهم؟ قبل ما يرد، الراجل الكبير ضــ,,ـــــرب بإيده على الترابيزة القريبة. كفاية كلام! خلّصوا الموضوع. أدهم لف ناحيته. الموضوع خلص. ضحك الراجل بسخرية. إنت فاكر نفسك زمان؟ إنت دلوقتي عامل نظافة. الكلمة دي خلت شريف يبص له بسرعة. لكن أدهم ما اتعصبش. بالعكس، هدوءه زاد. وده بالضبط اللي مخليكم مش واخدين بالكم من حاجات كتير. سكت المكان. أدهم مد إيده ببطء ناحية جيبه. الخمسة شدوا جسمهم في نفس اللحظة.
لكنه طلع موبايله فقط. فتح الشاشة. وقال اتصلت بالشرطة من قبل ما أقرب منكم. الراجل الكبير اتجمد. إيه؟ أدهم رفع الموبايل قدام عينه. والأهم… إن المكالمة متسجلة. فجأة، سمعوا صوت عربيات بتقف قدام المبنى. أضواء زرقاء انعكست على الواجهة الزجاجية. واحد من الرجال همس إحنا اتفضحنا. لكن أدهم ما كانش مركز معاهم. كان باصص ناحية مكتب الأمن. لأن حاجة واحدة كانت مش منطقية. الكاميرات اتقفلت قبل وصول الرجال بدقائق… والحارسين اختفوا… وده معناه إن حد من جوه الشركة ساعدهم.
أضواء زرقاء انعكست على الواجهة الزجاجية. واحد من الرجال همس إحنا اتفضحنا. لكن أدهم ما كانش مركز معاهم.
كان باصص ناحية مكتب الأمن. لأن حاجة واحدة كانت مش منطقية. الكاميرات اتقفلت قبل وصول الرجال بدقائق… والحارسين اختفوا… وده معناه إن حد من جوه الشركة ساعدهم. الشرطة دخلت بسرعة، وبعد دقائق كان واحد من الرجال متكلبش. لكن قبل ما يخرجوه، أدهم لمح ورقة واقعة من جيب بدلته. انحنى وأخذها. كانت أمرًا رسميًا بإيقاف تسجيل كاميرات المراقبة في المبنى. وفي أسفل الورقة… إمضاء. أدهم قرب الورقة من الضوء.
وشه اتغير. ليلى لاحظت. في إيه؟ أدهم ما ردش. كان بيبص للإمضاء وكأنه بيحاول يصدق عينيه. ثم رفع رأسه ببطء ناحية الدور الإداري. وقال الإمضا دي… مش بتاعة الراجل اللي وقعناه. ليلى قربت منه. أمال بتاعة مين؟ أدهم بص لها. بتاعة حد عنده صلاحية يقفل الكاميرات من غير ما حد يسأله. وقبل ما تكمل كلامها، موبايل ليلى رن. رقم داخلي من الشركة. ردت وهي متوترة ألو؟ ما جاش رد. بس كان فيه صوت نفس هادي من الناحية التانية.
وبعد ثواني… جالها تسجيل صوتي قصير. صوت طفل. صوت نور. بيقول بابا… أنا مش عارفة أفتح الباب. أدهم اتجمد مكانه. لأن نور كانت المفروض في البيت. مع جارتهم. والساعة وقتها كانت قربت من تسعة ونص. رفع عينه ناحية ليلى. مين بعتلك التسجيل ده؟ ليلى بصت للشاشة. الرقم الداخلي كان مكتوب عليه غرفة المراقبة الدور السفلي. أدهم خطف الورقة من إيدها. وقال لأول مرة بصوت فيه خوف حقيقي هما مش كانوا جايين عشان ليلى.
سكت لحظة. كانوا جايين عشان يوصلوا لي أنا أدهم أول ما قال الجملة دي، حس إن الأرض اتحركت من تحته. نور؟! ليلى مسكت دراعه. استنى… يمكن التسجيل قديم. أدهم هز راسه. صوتها مش قديم. جرى ناحية الأسانسير، لكن شريف صرخ من وراه فؤاد! متطلعش من هنا! أدهم وقف. لف له ببطء. إنت عارف بنتي فين؟ شريف سكت. أدهم قرب منه خطوة. بص في عيني وقولي. شريف بلع ريقه. أنا… معرفش. كداب. أدهم مسكه من ياقة بدلته، لكن الشرطة تدخلت بسرعة وفصلتهم عن بعض. الراجل الكبير كان بيتفرج عليهم بهدوء غريب.
وبعدين قال لو عايز تشوف بنتك تاني، هتسمع الكلام. ليلى شهقت. الضابط بص له بحدة إنت هتفضل ساكت لحد ما نعرف مين البنت دي وإيه علاقتها بالموضوع. الراجل ابتسم. أنا مش محتاج أتكلم. وبص لأدهم. هو فاهم. أدهم حس ببرودة في أطرافه. لأن الجملة دي كانت معناها إن اللي بيحصل دلوقتي مش عملية عشوائية. حد كان محضر لكل حاجة. حد عارف شغله القديم.
وعارف اسم بنته. وعارف مكانها. وعارف حتى إن أدهم هيكون موجود في الشركة الليلة دي. وفجأة، صوت إنذار طلع من الدور السفلي. الضابط بص ناحية الأسانسير. إيه ده؟ ليلى قربت من لوحة التحكم. الشاشة كانت بتعرض رسالة واحدة تم فتح الباب رقم 17. أدهم قرب. إيه الباب ده؟ ليلى وشها شحب. ده مش باب عادي. يعني إيه؟ ده باب غرفة الأرشيف القديمة. أدهم بص لها. وإيه اللي جواه؟ ليلى سكتت ثانيتين. ملفات الشركة من قبل ما أستلم الإدارة. أدهم رجع يبص للراجل الكبير. لكن المرة دي، الراجل ما كانش بيبتسم.
