منوعات

نظرات اخويا حكايات زهرة

سمير سكت ثواني طويلة، وبصلي بنظرة عمري ما شوفتها في عينه قبل كده، وبعدين قال بصوت هادي:
ـ إنت فاكرني ببص لمراتك يا شريف؟
صرخت فيه:
ـ أيوه! وإنت بنفسك جايب لها جلابية وواقف فرحان بيها كمان! عايزني أفهم إيه؟
هز راسه، وقعد على كرسي قديم موجود فوق السطح، وحط إيده على وشه.
ـ أنا عارف إن اللي بعمله شكله غريب… وعارف إنك شفت حاجات تخليك تشك، بس والله العظيم يا شريف الموضوع ملوش علاقة بمنه بالشكل اللي إنت فاكره.
بصيت له بعدم تصديق وقلت:
ـ أمال إيه؟ اتكلم!
رفع عينه وبصلي وقال:

ـ أنا قابلت بنت قبل جوازك بشهور… اسمها هدير.
سكت، وأنا مستنيه يكمل.
قال:
ـ أول مرة شوفتها كانت صدفة. كانت بتشتغل في محل قريب من المكان اللي كنت بروحه، واتكلمنا كذا مرة، ومع الوقت اتعلقت بيها. كانت بتعاملني بطريقة خلتني أصدق إنها بتحبني بجد. كانت تسأل عليا، وتطمن عليا، وتتكلم معايا بالساعات.
اتنهد وقال:
ـ وفي يوم قالتلي إن والدتها تعبانة ومحتاجة عملية، وإنهم مش قادرين يوفروا المبلغ. قالتلي إنها مش عايزة تطلب مني، بس ملهاش غيري.
بصيت له وقلت:
ـ وإنت صدقتها؟
قال بحزن:
ـ صدقتها… لأني كنت بحبها.

وبعدين كمل:
ـ قالتلي إن العملية محتاجة مية ألف جنيه. المبلغ ده كان كل اللي كنت حوشتهم عشان أبدأ أجهز شقتي. بس وقتها مكنتش شايف قدامي غير إنها محتاجة المساعدة.
بلعت ريقي وقلت:
ـ وإديتها الفلوس؟
هز راسه.
ـ أيوه. كل اللي معايا.
سكت لحظة، وبعدين قال:
ـ أخدت الفلوس، وقالتلي هترجعلي جزء منهم أول ما ظروفهم تتحسن، وبعدها بيومين تليفونها اتقفل.
حسيت بقشعريرة في جسمي.
ـ اختفت؟
ـ اختفت تماماً. دورت عليها في كل مكان. روحت للمحل اللي كانت بتشتغل فيه، قالولي إنها مشيت.

سألت عنها عند ناس كانت بتعرفهم، محدش عرف يقول لي حاجة. رقمها اتقفل، وحساباتها اختفت، وأنا فضلت شهور مش فاهم حصل إيه.
سألته:
ـ وإيه علاقة ده كله بمنة؟
مد إيده لجيب جلابيته وطلع موبايله.
فتح صورة، ومدهالي.
أول ما شفت الصورة… حسيت إن نفسي اتقطع.
بنت واقفة قدام محل، شعرها مربوط، وملامح وشها…
نفس ملامح منة تقريباً.
العينين، شكل الأنف، ابتسامتها، حتى طريقة ميلان رأسها.
فضلت أبص للصورة وبعدين أبص لسمير.
ـ دي… دي شبه منة بشكل مش طبيعي.
قال:
ـ عارف.
قلت:

ـ وإنت كنت عارف من إمتى؟
ـ من أول ما شوفت منة.
اتصدمت.
ـ يعني إنت من أول ما اتجوزت وأنا شايفك بتبصلها…
قاطعني بسرعة:
ـ مش زي ما إنت فاكر يا شريف! أنا كنت بحاول أتأكد.
ـ تتأكد من إيه؟
بص للصورة وقال:
ـ إذا كانت هدير هي نفسها منة… ولا مجرد واحدة شبهها.
حسيت إن الدنيا كلها اتلخبطت.
قلت:
ـ طب وإنت عايز تعرف ليه؟
قال:

ـ عشان لو هي هدير… تبقى البنت دي ضحكت عليا وأخدت مني مية ألف جنيه، وبعدها دخلت بيتنا باسم تاني واتجوزت أخويا.
فضلت ساكت.
الكلام كان تقيل بشكل مش قادر أستوعبه.
قلت:
ـ بس إنت جبت الجلابية ليه؟
ابتسم ابتسامة حزينة وقال:
ـ عشان النهارده كنت عايز أعمل اختبار بسيط.
ـ اختبار إيه؟
فتح الكيس تاني وقال:
ـ الجلابية دي أنا كنت شاري زيها بالظبط لهدير قبل ما تختفي. كنت شاريها عشان عيد ميلادها، وكانت لونها أحمر. هي وقتها فرحت بيها جداً، وقالتلي إنها بتحب النوع ده.

بصيت للجلابية اللي كنت رميتها على الأرض.
قال:
ـ لما شفت منة أول مرة لابسة حاجة شبهها، افتكرت هدير. ومن ساعتها وأنا كل مرة أشوفها بحاول ألاحظ رد فعلها على حاجات معينة، من غير ما أقول لها أي حاجة.
قلت بعصبية:
ـ وإنت فاكر إنك كده بتعمل الصح؟ إنت كنت بتخليني أشك في مراتي وفيك!
نزل عينه وقال:
ـ عارف… وأنا غلطت.
وبعدين رفع عينه وقال:
ـ بس النهارده كنت عايز أشوف رد فعلها لما تشوف الجلابية دي.

لو هي هدير فعلاً، ممكن تفتكرها أو يحصل منها أي رد فعل يدل إنها شافت حاجة زيها قبل كده.
قلت:
ـ ولو طلعت مش هي؟
قال:
ـ يبقى أنا ظلــ,,ـــــمت بنت بريئة لمجرد إنها شبه واحدة نصبت عليا.
فضلت ساكت، وفجأة حسيت إني اتكسرت من جوايا.
كل النظرات اللي كنت فاهمها غلط… كل المواقف… كل مرة كنت بعصب على منة… كل مرة كنت بطلب منها تبعد عن سمير…
طلعت في الآخر حاجة تانية خالص.
سمير بصلي وقال:
ـ أنا عمري ما كنت هفكر في مراتك يا شريف.

دي مرات أخويا، وأنا بخاف على بيتك زي ما بخاف على بيتي. بس موضوع هدير ده مخليني مش قادر أعيش طبيعي.
قلت:
ـ طب وليه ماقولتليش من الأول؟
ضحك بمرارة:
ـ كنت هتصدقني؟
معرفتش أرد.
نزلنا من السطح، وأنا طول الطريق ساكت.
دخلنا الصالة، لقينا منة قاعدة جنب أمي، ووشها متورم من العياط.
أول ما شافتني قامت وقالت:
ـ شريف، هو في إيه؟ إنت طلعت سمير فوق ليه؟ وليه جايبلي الجلابية دي؟
بصيت لسمير.
هو سكت.
فقلت لمنة:
ـ سمير عايز يسألك سؤال.
بصت له باستغراب.

سمير قرب منها، وطلع الصورة من موبايله، وقال:
ـ منة… ممكن تبصي للصورة دي؟
أول ما منة شافت الصورة، وشها اتغير.
أنا قلبي وقع.
سمير قرب الموبايل منها وقال:
ـ تعرفي البنت دي؟
منة فضلت ساكتة.
بعدين قالت:
ـ أيوه.
سمير شهق:
ـ تعرفيها؟!
قالت:
ـ دي أنا.
أنا وسمير بصينا لبعض في صدمة.
منة كملت:
ـ بس أنا مش فاهمة إنت جبت صورتي دي منين.
سمير قرب منها أكتر:
ـ اسمك الحقيقي إيه؟
منة بصتلي، وبعدين بصت له.
وقالت:

ـ اسمي منة… زي ما إنت عارف.
سمير قال:
ـ قبل كده؟
اتوترت.
منة سكتت ثواني، وبعدين قالت:
ـ قبل ما أتجوز شريف، كنت بستخدم اسم هدير وسط ناس معينة.
سمير حط إيده على رأسه.
وأنا حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
منة بصتلي بسرعة وقالت:
ـ بس اسمعني يا شريف قبل ما تحكم عليا!
قلت بصوت مبحوح:
ـ يعني إنتِ هدير؟
دموعها نزلت.
ـ أيوه… أنا هدير.
سمير رجع خطوة لورا كأنه اتخبط.
وقال:
ـ والمية ألف جنيه؟
منة انهارت في العياط.

ـ أنا أخدتهم.
سمير صرخ:
ـ عشان عملية والدتك؟
هزت راسها.
ـ لأ.
سكت البيت كله.
قالت:
ـ أمي مكنتش محتاجة عملية.
سمير قرب منها بغضب:
ـ أمال الفلوس راحت فين؟
منة مسحت دموعها وقالت:
ـ أنا كنت غرقانة في ديون بسبب أخويا. كان داخل في مشروع فاشل، والناس كانت هتحبسه بسبب شيكات. وأنا كنت بحاول أنقذه.
فضلت واقف مكاني وأنا باصص لمنة، ومش قادر أستوعب اللي سمعته.
سمير كان واقف قدامي، وشه متغير، وعينه مليانة وجع، وأنا لأول مرة بدأت أشوف كل تصرفاته من زاوية مختلفة.

النظرات اللي كنت فاكرها إعجاب…
محاولاته يقعد جنب منة…
سؤاله عنها…
والجلابية اللي جابها لها…
كل ده ماكانش عشان هو عايز يقرب من مراتي.
كان عايز يعرف إذا كانت هي البنت اللي خدعت قلبه وأخذت فلوسه.
لكن الصدمة الحقيقية كانت في منة.
بصيت لها وقلت بصوت هادي، وده كان أخطر من الصراخ:
ـ يعني إنتِ كنتي بتحبي سمير؟
منة بدأت تعيط وقالت:
ـ في الأول آه…
سمير بص لها بصدمة.
ـ في الأول؟!
قالت وهي بتبكي:

ـ أنا كنت بحبه، أو كنت فاكرة إني بحبه… وبعدين الموضوع اتغير.
ضحكت بسخرية من غير ما أحس.
ـ اتغير لما عرفتي إن معاه فلوس؟
منة سكتت.
وسكوتها كان كفاية.
سمير قرب منها وقال:
ـ أنا كنت بحوش الفلوس دي عشان شقتي، وكنت مستعد أعيش سنين على قد إمكانياتي عشان أتجوزك… إنتِ قلتيلي إن أمك هتمــ,,ـــــوت لو العملية ما اتعملتش!
قالت:
ـ أنا كنت مضطرة.
صرخ فيها:
ـ مضطرة تكدبي؟ مضطرة تمثلي عليا الحب؟ مضطرة تاخدي كل اللي حوشته؟
بصت في الأرض.
ـ أنا غلطت.
قلت لها:

ـ غلطتي؟
بصيت لها وأنا حاسس إن جوايا حاجة بتتكسر.
ـ إنتِ مش غلطتي يا منة… إنتِ خططتي.
رفعت عيني في وشي.
قلت:
ـ كنتي عارفة إن سمير بيحبك، وفضلتي تمثلي عليه لحد ما وصلتي للفلوس. ولما أخدتيها اختفيتي وقفّلتي تليفونك. وبعدها لما لقيتي طريق جديد، دخلتي حياتي أنا.
قالت بسرعة:
ـ أنا حبيتك يا شريف!
ضحكت بمرارة.
ـ حبيتيني؟
قربت منها خطوة وقلت:
ـ طب ليه ماقولتيليش إنك هدير؟
ـ كنت خايفة.
ـ خايفة من إيه؟ إن الحقيقة تظهر؟
منة فضلت ساكتة.
قلت:

ـ ولا خايفة إني أعرف إن مراتي هي نفس البنت اللي نصبت على أخويا؟
سمير بصلي وقال:
ـ شريف، أنا مش عايز أكون سبب في خراب بيتك.
لفيت له وقلت:
ـ إنت مش السبب يا سمير.
وبصيت لمنة:
ـ هي اللي هدمت البيت من أول يوم دخلته وهي مخبية الحقيقة.
منة انهارت في العياط.
ـ والله أنا ندمت.
رديت عليها:
ـ الندم كان لازم ييجي قبل ما تاخدي الفلوس، مش بعد ما اتجوزتي أخو اللي خدتي منه الفلوس.
أمي كانت بتعيط من مكانها وقالت:

ـ يا ابني اهدى، بلاش تهد بيتك.
بصيت لها وقلت:
ـ يا أمي، أنا كنت فاكر إني بحمي بيتي من أخويا، وطلعت بحميه من الشخص الغلط.
سكتت أمي.
كملت:
ـ أنا ظلــ,,ـــــمت سمير، واتهمته في أخلاقه، وكنت ممكن أخسره بسبب شكي. وفي الآخر طلعت مراتي هي اللي كانت مخبية عني الحقيقة.
سمير قرب مني وقال:
ـ أنا مش زعلان إنك شكيت فيا قد ما أنا زعلان إنك كنت شايفني بالشكل ده.
بصيت له وقلت:
ـ حقك عليا.
مديت إيدي له، وهو مسكها.
لأول مرة من شهور حسيت إن أخويا رجعلي.

لكن منة كانت لسه واقفة قدامنا.
قالت بصوت مكسور:
ـ شريف… أنا عارفة إني غلطت، بس اديني فرصة أصلح.
بصيت لها طويلاً.
كنت فاكر إني لما ألاقي الحقيقة هرتاح.
لكن الحقيقة كانت أثقل من الشك نفسه.
قلت:
ـ الفرصة دي كان عندك قبل الجواز.
ـ كنت خايفة.
ـ وأنا؟
سكتت.
ـ أنا جوزك يا منة. كان من حقي أعرف مين الست اللي داخلة بيتي، ومين الشخص اللي كنتي مرتبطة بيه قبل ما تتجوزيني.
قالت:
ـ كنت خايفة تخسرني.
قلت:

ـ لأ… إنتِ كنتي خايفة أخسرك لما أعرف الحقيقة.
وبعدين بصيت لسمير وقلت:
ـ روح شوف موضوع الفلوس ده، ولو عايز حقك خد الإجراءات اللي تقدر عليها.
سمير قال:
ـ مش عايز أذلها.
رديت:
ـ ده حقك وإنت اللي تقرر.
وبعدين رجعت بصيت لمنة.
ـ أما أنا، فقررت.
بدأت تهز راسها وهي بتعيط.
ـ شريف أرجوك…
قلت:
ـ أنا هطلقك.

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى