كانت الساعة داخلة على حداشر بالليل لما وصلت شقتي. قعدت على الكنبة وأنا لامة رجلي لصدري، والورقة الصغيرة بتاعة نهى لسه في إيدي. فتحت اللابتوب بتاعي، وبدأت أربط الخيوط ببعضها. محمود وعيلته عايشين في فيلا في التجمع، مظاهر وفشخرة كدابة، وعمي حسن رجل الأعمال المعروف… باين كده إن ورا الستار ده كوارث وديون مالتهاش أول من آخر، وعايزين يداروا عجزهم وفلاسهم بيا وبشركتي.
المشهد بتاع محمود وهو قاعد بيشرب السيجارة بكل برود وأمه بتض.رب نهى بالعصاية مش عايز يفارق خيالي.
محمود اللي كان بيقنعني أسيب الشغل بحجة إنه خايف على راحتي، كان كل همه إني أبعد عن السوق ومتابعته، عشان لما يمسك هو الحسابات والإدارة، يسحب كل الأصول والفلوس ويسدد ديون عيلته من غير ما آخد بالي، ولما أكتشف… أكون خلاص
بقيت تحت رحمتهم وفي بيتهم، ويبدأوا معايا رحلة الذل اللي عايشاها نهى.
تاني يوم الصبح، صحيت الساعة سبعة. أخدت دِش دافي، ولبست أشيك طقم عندي، وحطيت ميك اب خفيف يداري الإرهاق اللي في عيني. نزلت الشركة وأنا واخدة قراري اللعب معاهم هيبقى على المكشوف بس من تحت الترابيزة.
أول ما دخلت مكتبي، طلبت سمر، المساعدة الشخصية بتاعتي وبنت خالتي في نفس الوقت، وهي أكتر حد بأمن له في الدنيا.
دخلت سمر وهي شايلة ورق وبتقول بنبرة مرحة
صباح الخير يا دودي، خطيبك كلمني من شوية بيسأل لو هتتأخري في الشركة النهاردة عشان يجيلك.
ابتسمت ابتسامة صفرا وقولت لها
اقفلي الباب يا سمر واقعدي… عايزة أقولك على حاجة ومحتاجة تركيزك معايا مية في المية.
سمر لقت وشي قالب وجاد جداً، حطت الورق وقعدت
خير يا داليا؟ في إيه؟ شكلك يقلق.
حكيت لها كل اللي حصل بالظبط، من أول كدمات نهى وطبق الرز والمية، لحد ليلة امبارح والمخزن والكلام اللي سمعته عن ديونهم وعن شركتي. سمر كانت حاطة إيدها على بوقها وعينيها مبرقة ومش مصدقة
يا نهار أسود ومنيل! محمود؟ محمود المحترم المؤدب اللي بيحبك يطلع بالوساخة دي؟ وأمه؟ دي دكتورة جامعة يا بنتي! هما إيه دول.. وحوش؟
قومت وقفت وبصيت من شباك مكتبي الكبير على صالة الموظفين
المظاهر يا سمر.. المظاهر بتعمي الناس. بس هما غلطوا غلطة عمرهم لما افتكروا إني لقمة طرية وهيبلعوها بسهولة. أنا مش هفركش الخطوبة يا سمر، أنا هكمل في الجوازة دي.
سمر وقفت مخضوضة
إنتِ اتجننتي يا داليا؟! تكملي إزاي وترمي نفسك في النار؟ ده ممكن يق.تلوكي عشان ياخدوا الشركة!
لفيت لها وقولت بثقة كاملة
النار دي هما اللي هيتحرقوا فيها. بصي بقى، إحنا هنعمل خطة محكمة. أول حاجة، الدفاتر والحسابات والأرصدة بتاعة الشركة كلها تتنقل
باسم شركة تانية وهمية إحنا هنعملها الأسبوع ده، وتكوني إنتِ المديرة الصورية ليها. الشركة دي هنا في السوق هتبان كأنها بتخسر، وهنعمل عقود وقروض وهمية تخلي شركة الدعاية بتاعتي مديونة بملايين للشركة الجديدة. يعني من الآخر، اللي هيحط إيده على شركتي مش هيلاقي فيها غير ديون توديه السجن.
سمر بدأت تستوعب وابتسمت بشر
ودماغ محمود الذكية اللي هتراجع الحسابات؟
محمود مش هيدخل الشركة ولا هيشوف ورق غير بعد الجواز. وقبل الجواز، هخليه يكتب لي مؤخر وشروط في عقد الجواز تخليه يلف حوالين نفسه. بس الأهم من كل ده… نهى.
يوم الأحد بالليل، محمود كلمني في التليفون. صوته كان ناعم ومليان حنية لدرجة إني كنت هتقيأ وأنا بسمعه.
وحشتيني يا داليا، بقالي يومين مش عارف أشوفك. الشغل واخدك مني خالص، وعشان كده بقولك لازم ترتاحي بعد الجواز وتسيبي لي الشغلانة دي.
كتمت غيظي وقولت بدلع مصطنع
معلش يا حبيبي، ضغط شغل الحفلات الجديدة.
وبعدين أنا خلاص فكرت في كلام مامتك طنط سهير، ولقيت إن عندها حق. أنا فعلاً تعبت وعايزة أرتاح وأتفرغ لك ولالبيت… بس نخلص بس إجراءات الفرح.
سمعت نبرة فرحة وراحة في صوته لدرجة إنه اتنحنح وقال
بجد يا داليا؟ ربنا يخليكي ليا يا حبيبتي، إنتِ مش عارفة القرار ده فرحني قد إيه. ومامتك سهير هتطير من الفرحة لما تعرف إنك بتسمعي كلامها. إحنا لازم نعمل قعدة قريبة عشان نحدد تفاصيل نقل الإدارة وكده.
طبعاً يا حبيبي، في أقرب وقت.
قَفلت السكة معاه وجسمي كله بيترعش من القرف.
النذل كان مستعجل على الورق والإدارة قبل حتى ما ندخل البيت!
بعد يومين، كنت مجهزة خطة عشان أتواصل مع نهى من غير ما حد يحس. عرفت من سمر إن
عيلة محمود عندهم حساب في سوبر ماركت كبير قريب من الفيلا، ونهى هي اللي بتنزل ساعات تشتري الطلبات بنفسها لما السواق يكون مشغول. بعتّ سمر تقف هناك وتراقب، ولما نهى راحت، سمر قربت منها كأنها زبونة عادية، وحطت في شنطتها موبايل صغير جداً بكارت مش متسجل، وجواه ورقة مكتوب فيها ده خط أمان بيني وبينك. كلميني الساعة 1 بالليل لما يناموا. داليا.
فضلت قاعدة مستنية على أعصابي لحد الساعة واحدة بالليل. تليفوني الخاص رن برقم غريب. فتحت الخط بسرعة وقولت بصوت واطي
نهى؟ إنتِ سامعاني؟
سمعت صوت شهقة عياط مكتومة وجت من الناحية التانية
داليا… أنا أسفة… أنا كان نفسي أحذرك بس خفت يق.تلوكي زي ما بيعملوا فيا… إنتِ شوفتيهم صح؟ شوفتي محمود؟
دموعي نزلت غصب عني من نبرة القهر اللي في صوتها
شوفتهم يا نهى، وشوفت محمود الكلب وهو قاعد يتفرج عليكي. متعيطيش يا نهى، وحقك وحقي هيرجع. بس قولي لي، جوزك كريم فين؟ ومحمود قال لي إنه مسافر ليه؟
نهى صوتها كان بيترعش وهي بتقول
كريم مش مسافر في شغل يا داليا… كريم محبوس!
محبوس؟! في إيه؟
كريم دخل في صفقة تجارية كبيرة مع ناس تقال، وكتب شيكات من غير رصيد بضمان اسم والده. والده اتخلى عنه ومحمود سابه عشان يداروا على الفضيحة، والناس رفعت عليه قضايا ومحبوس بقاله شهرين في سجن طرة. هما مطلعين إشاعة إنه مسافر برا مصر عشان البرستيج بتاعهم قدام الناس، والديون اللي عليهم للموردين وأصحاب الشغل التانيين واصلة ل 15 مليون جنيه، والفيلا دي نفسها معروضة للبيع السري وعليها حجز!
هما كانوا بيدوروا على أي صيدة غنية تنقذهم، ومحمود نقى إنتِ عشان شركتك بتدخل ملايين كاش كل شهر من تنظيم الحفلات.
أنا كنت بسمع وكأن جبل تلج بينزل فوق دماغي. العيلة الكبيرة المحترمة، دكتورة الجامعة ورجل الأعمال، طلعوا عصابة نصابين وبيوتهم خربانة!
سألتها
وطالما كريم محبوس، هما بيعذبوكي إنتِ ليه؟ وبيعملوا فيكي كده ليه؟
نهى عيطت بحرقة
عشان أهلي ناس على قد حالهم في المنصورة، ولما كريم اتمسك، هما أخدوا دهبى كله وفلوسى، وأمي تعبانة ومقدرش أقول لها حاجة عشان هتمو.ت فيها لو عرفت. هما حابسيني هنا وبيهددوني لو اتكلمت هيتبلوا عليا في قضية شرف ويطلقوني من كريم ويحرموني من عيالي اللي مخلينهم دايماً في مدرسة داخلي عشان ميتكلموش.
هما بيطلعوا غلهم وفلاسهم فيا… محمود وأمه هما الإبالسة بتوع البيت ده، وعمي حسن عامل نفسه مش شايف حاجة ومنعزل في مكتبه.
مسحت دموعي وقولت لها بقوة
اسمعيني يا نهى. إنتِ هتستحملي معايا أسبوعين كمان بالظبط. الموبايل ده يفضل مستخبي، ومفيش أي مخلوق يعرف عنه حاجة. أي وقت يض.ربوكي أو يعملوا حاجة، افتحي التسجيل وسجلي ليهم صوت. محتاجة إثباتات. وأنا من ناحيتي برتب لهم فخ مش هيطلعوا منه غير على السجن… إنتِ واثقة فيا؟
نهى قالت بنبرة مليانة أمل لأول مرة
واثقة فيكي يا داليا… ربنا ينصرك عليهم.
مر الأسبوع الأول وأنا شغالة على خطين.
الخط الأول في الشركة مع المحامي وبتاع الحسابات، نقلنا كل الأصول الفعالة والعقود الكبيرة للشركة الجديدة اللي باسم سمر، وسبنا شركة الدعاية الأم عبارة عن هيكل فاضي غرقان في ديون والتزامات وهمية لشركات تانية برا مصر.
والخط التاني كان مع محمود. بدأت أظهر له إني ملهوفة على الجواز وإننا لازم نسرع بالكتب الكتاب.
روحت لهم الفيلا تاني بعد أسبوع. المرة دي، كنت داخلة وأنا
شايفة كل حاجة على حقيقتها. التحف الغالية والغسيل