منوعات

دخل بهدومه

وقال
قبل ما حد يوقّع افتحوا ده.
حمدي شهق.
الظرف ده
الراجل بص له.
أيوه يا حمدي.
حمدي قرب منه خطوة.
إنت
وتوقف.
الراجل قال بهدوء
كمّل.
حمدي بلع ريقه.
إنت رجعت؟
ابتسامة صغيرة ظهرت على وش الراجل لأول مرة.
أنا ما مشيتش.
محمود بص بين الاتنين.
حد يفهمني إيه اللي بيحصل؟
الراجل حط الظرف على الترابيزة.
من ٣٢ سنة، اتقال لي إن الشركة ماتت.
فتح الظرف ببطء.
لكن الظاهر إن اللي مات كان مجرد اسم.
وسحب أول ورقة.

كانت عليها أختام قديمة وتوقيع واضح.
وفي أسفل الصفحة
ظهر اسم جعل محمود يترك الورقة من إيده فجأة.
لأن الاسم لم يكن اسم المالك فقط.
كان اسم الشخص الذي ظل محمود طوال السنوات الماضية يبحث عن أي مستند يثبت أنه اختفى للأبد.
لكن المفاجأة الأكبر
كانت في آخر سطر.
سطر واحد فقط.
مكتوب تحته
تنتقل الحصة كاملة إلى الورثة في حالة وفاة المؤسس ما لم يظهر بنفسه.
القاعة كلها سكتت.
والراجل العجوز رفع عينه لمحمود.
عشان كده أنا هنا.

ثم أضاف
ولسه ما بدأتش أسألك الشركة باعت إيه باسمي طول السنين اللي فاتت؟محمود فضل واقف مكانه.
حاول يضحك، لكن صوته خرج متوتر
الكلام ده ملوش أي معنى. الراجل ده بيحاول يعطل صفقة بمستندات عمرها أكتر من ٣٠ سنة.
الراجل العجوز ما بصش له.
كان مركز مع المحامي.
افتح دفتر المساهمين.
المحامي تردد.
محمود ضرب بإيده على الترابيزة
قلتلكم الصفقة قانونية!
في اللحظة دي، دخلت السكرتيرة كارمن بسرعة، وهي ماسكة ملف أسود.
أستاذ محمود
إيه؟
الموثقة وصلت.
محمود اتنفس براحة.
ممتاز. خليها تدخل.

دخلت سيدة في أواخر الخمسينات، ماسكة حقيبة مستندات، ومعاها مساعد شاب.
أول ما شافت الراجل العجوز
وقفت مكانها.
ما قالتش ولا كلمة.
الراجل بص لها وقال
اتأخرتي يا أستاذة ناهد.
الموثقة قربت منه ببطء.
وبصت في وشه.
ثم قالت بصوت مسموع
حضرتك
سكتت.
حضرتك كنت فين كل السنين دي؟
محمود انفجر
هو إنتِ تعرفيه؟!
ناهد بصت لمحمود.
أنا اللي وثقت أول عقد تأسيس للشركة سنة ١٩٩٤.
القاعة اتقلبت همس.
محمود بص للراجل العجوز.
مين حضرتك بالضبط؟
الراجل فتح الجاكت القديم.

طلع بطاقة هوية قديمة، محطوطة داخل غلاف بلاستيك.
وحطها قدام محمود.
محمود مد إيده.
قرأ الاسم.
وشه اصفر.
عادل الشاذلي المؤسس ورئيس مجلس الإدارة.
حمدي البدري قعد على الكرسي.
كارمن غطت فمها بإيدها.
والمستثمر الأجنبي وقف فورًا.
عادل قال بهدوء
أيوه.
ثم بص لمحمود.
أنا صاحب الشركة اللي كنتوا جايين تبيعوها النهارده.
محمود اتراجع خطوة.
بس مستحيل.
عادل ابتسم ابتسامة قصيرة.
المستحيل إنك صدقت إن محدش هيراجع الورق.
ثم مد إيده للموثقة.
هاتي الدفتر.
ناهد فتحت حقيبتها.

طلعت دفترًا سميكًا مغلفًا بالجلد.
ووضعته أمام الجميع.
عادل قلب الصفحات واحدة واحدة.
سنة ١٩٩٤
١٩٩٧
٢٠٠٣
٢٠١٠
ثم توقف.
إصبعه ثبت عند صفحة معينة.
وشه اتغير.
قال
مين كتب الملاحظة دي؟
ناهد قربت.
حمدي وقف من مكانه.
لكن محمود سبقهم ومد إيده للدفتر.
عادل سحب الدفتر بسرعة.
إيدك.
محمود وقف متجمد.
عادل قرأ الملاحظة بصوت منخفض
تم تجميد نقل الملكية مؤقتًا بناءً على تعليمات المؤسس.
ثم رفع عينه.
أنا ما كتبتش التعليمات دي.
الصمت نزل على القاعة.

حمدي بدأ يعرق.
عادل بص له مباشرة.
وإنت كنت موجود يومها.
حمدي ما ردش.
كنت أنت، وكارمن، ومحامي الشركة القديم.
كارمن قالت بصوت مرتعش
إحنا اتقال لنا إن حضرتك وقعت بنفسك.
عادل هز رأسه.
وأنا عمري ما وقعت.
محمود صرخ
كفاية!
الكل بص له.
قال وهو يحاول يستعيد سيطرته
حتى لو الورق ده صحيح، الصفقة اتجهزت من شهور. الشركة دلوقتي ليها مجلس إدارة وإدارة تنفيذية، ومش من حقك توقف كل حاجة بكلمتين.
عادل قرب منه.
وقال بهدوء شديد
عندك حق.
محمود ابتسم بانتصار.

لكن عادل أكمل
عشان كده أنا مش هوقفها بكلمتين.
وطلع من الملف ورقة أخرى.
هوقفها بالدليل.
وضع الورقة أمام المحامي.
المحامي قرأ أول سطر
ثم توقف.
وبدأ يقلب الورقة على الناحية الثانية.
دي كشوف تحويلات؟
عادل قال
أيوه.
تحويلات من حساب الشركة؟
أيوه.
لحساب مين؟
عادل لم يرد.
بل دفع الورقة ناحية محمود.
محمود قرأ اسم المستفيد.
وفي اللحظة دي
لأول مرة منذ بداية الاجتماع
بان الخوف الحقيقي على وشه.
لأن الحساب لم يكن باسم محمود.
ولا باسم أي مدير.

كان باسم شركة خارجية
لكن عنوانها كان نفس عنوان منزل قديم في شارع جانبي.
البيت الذي ظل عادل يعتقد طوال ٣٢ سنة
أنه مجرد بيت مهجور.
رفع عادل عينه ببطء.
أنا كنت فاكر إن اللي سرق الشركة مني شخص واحد.
ثم قلب الورقة الأخيرة.
لكن واضح إن اللي حصل سنة ١٩٩٤ كان أكبر من كده بكتير.
وقبل ما حد يتكلم
رن هاتف عادل.
نظر إلى الشاشة.
وتغيرت ملامحه فجأة.
قال
الرقم ده مين لسه محتفظ بيه؟
ثم رد.

ولم يسمع الجميع سوى جملة واحدة من الطرف الآخر
لو رجعت الشركة يا أستاذ عادل هتكتشف إن اللي حصل لأبوك زمان ما كانش حادث عادل فضل ماسك التليفون من غير ما ينطق.
الصوت اللي على الناحية التانية كرر
سمعتني يا أستاذ

عادل؟
عادل ضغط على السماعة.
مين إنت؟
جاءه الرد
واحد كان موجود يوم اللي اختفيت فيه.
عادل اتجمد.
اختفيت؟
أيوه لأنك لحد النهارده فاكر إنك سبت البلد بإرادتك.
عادل بص ناحية حمدي.
حمدي كان واقف شاحب، وكأنه فهم شيئًا لم يفهمه باقي الموجودين.
عادل قال
إنت عايز إيه؟
عايزك تقفل الملف القديم وترجع من حيث جيت.
عادل ضحك ضحكة قصيرة.
بعد ٣٢ سنة؟
بالضبط.
ثم انقطع الخط.
فضل عادل ساكتًا.
محمود حاول يستغل اللحظة
شايفين؟ الراجل ده بيهددنا وبيعمل مسرحية!

لكن المستثمر الأجنبي قاطعه
لا.
محمود بص له.
إيه؟
نحن لن نوقّع.
محمود اتوتر.
ليه؟
المستثمر أشار إلى الأوراق.
لأن شركتنا لن تدخل في نزاع على ملكية غير محسوم.
ثم جمع مستنداته.
واحد من المحامين الأجانب وقف معه.
وباقي الفريق بدأ يقفل الملفات.
محمود اندفع ناحية الباب
استنوا! الاتفاق كان شبه منتهي!
المستثمر رد بهدوء
شبه منتهي ليست منتهي.
وخرج.
القاعة بدأت تفضى.
لكن عادل لم يتحرك.
كان ينظر إلى الورقة القديمة.
حمدي قرب منه.

أستاذ عادل
عادل رفع عينه.
قول.
حمدي بلع ريقه.
أنا لازم أحكيلك اللي حصل سنة ١٩٩٤.
عادل سكت.
من أول يوم؟
حمدي هز رأسه.
من أول يوم.
جلس عادل.
وحمدي جلس أمامه.
قال
أبوك ما ماتش في حادث.
عادل شد إيده على طرف الكرسي.
كنت متوقع.
لكن في حاجة إنت ما تعرفهاش.
حمدي فتح حقيبته وأخرج مفتاحًا صغيرًا.
حطه على الترابيزة.
أبوك سلّمهولي قبل الحادث بيوم.
عادل بص للمفتاح.
مفتاح إيه؟
حمدي قال
مخزن قديم تحت المصنع الأول.

محمود، الذي كان واقفًا عند الباب يستمع، تجمد.
عادل لاحظ نظراته.
فقال لحمدي
ومحمود؟
حمدي لم يرد.
عادل كرر
محمود كان يعرف؟
حمدي رفع عينه ببطء.
محمود ما كانش يعرف كل حاجة.
ثم سكت لحظة.
لأنه أصلًا ما كانش هو الشخص اللي دبّر اللي حصل.
عادل وقف.
مين؟
حمدي ضغط على المفتاح داخل يده.
الشخص اللي كان ماسك الشركة فعليًا وقتها
ثم نظر ناحية كارمن.
كارمن بدأت تبكي بصمت.
وقال
كان أقرب شخص ليك يا عادل.

في اللحظة دي
سمعوا صوت شيء يسقط في الممر.
خرج عادل بسرعة.
لكن الممر كان فاضي.
إلا من ملف أسود مرمي على الأرض.
عادل انحنى ورفعه.
كان عليه ختم قديم جدًا.
خاص لا يُفتح إلا بحضور عادل الشاذلي.
فتح أول صفحة.
وقرأ الاسم المكتوب في الأسفل.
ثم توقف تمامًا.
لأن الاسم
كان اسم شخص ما زال يعمل داخل الشركة حتى هذه اللحظة عادل فضل واقف قدام الملف، وعينه مثبتة على الاسم.
حمدي البدري
رفع رأسه ببطء.
بص لحمدي اللي كان لسه واقف في آخر الممر.

إنت؟
حمدي ما ردش.
عادل رفع الملف في إيده.
اسمك موجود هنا.
حمدي قرب خطوة.
كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
محمود خرج من القاعة بسرعة.
حمدي! إنت بتعمل إيه هنا؟
عادل لف له.
سيبه يتكلم.
حمدي أخذ نفس طويل.
سنة ١٩٩٤، والدك اكتشف إن في حد بيحوّل فلوس من الشركة لحسابات سرية.
عادل قال
ومين؟
حمدي بص لمحمود.
محمود ارتبك.
متبصليش لي!
حمدي هز رأسه.
مش محمود.
عادل سكت.
الشخص كان أقدم من محمود بكتير.
ثم فتح الملف.

والدك عرف إن في مستندات ملكية اتزوّرت، وحاول يوقف العملية.
عادل قال
وبعدها حصل الحادث؟
أيوه.
ومين كان معاه؟
حمدي سكت.
كارمن خرجت من القاعة وهي تبكي.
وقالت
أنا كنت معاه.
عادل بص لها.
إنتِ؟
كنت آخر واحدة شافته قبل ما يخرج من الشركة.
ليه ما قلتيليش؟
كارمن مسحت دموعها.
لأنهم هددوني.
عادل اقترب منها.
مين؟
كارمن فتحت فمها
لكنها لم تستطع الكلام.
وفجأة سمعوا صوت خطوات قادمة من آخر الممر.
الجميع التفت.
رجل في الستينات كان واقف هناك.

لابس بدلة أنيقة، وماسك عصاية.
عادل أول ما شافه
وقف مكانه.
الرجل ابتسم.
أخيرًا رجعت يا عادل.
عادل لم يرد.
حمدي تراجع خطوة.
كارمن شهقت.
أما محمود
فابتسم لأول مرة منذ دقائق.
عادل لاحظ الابتسامة.
وبص لمحمود.
ثم للرجل.
وقال
إنت لسه عايش؟
الرجل رد
وإنت كمان.
عادل شد قبضته.
أنا كنت فاكر إنك اختفيت.
الرجل اقترب.
وأنا كنت فاكر إنك مش هترجع أبدًا.
ثم نظر إلى الملف الموجود في يد عادل.

واضح إنك فتحت حاجات كان المفروض تفضل مقفولة.
عادل قال
ولسه ما فتحتش أهم حاجة.
الرجل ابتسم.
وإيه هي؟
عادل أشار للمفتاح الصغير.
المخزن.
ابتسامة الرجل اختفت.
ولأول مرة

انت في الصفحة 2 من 5 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى