بنتي ماتت وهي عندها 18 سنة بس، بعد ما ولدت بفترة قصيرة… ومحدش كان يعرف مين أبو ابنها.
فاضطريت أربي حفيدي لوحدي.
لمدة عشر سنين، كنت فاكرة إن اللغز ده هيفضل مدفون مع بنتي للأبد.
لحد اليوم اللي وقفت فيه جنب قبرها…
وظهرت قدامي ست عمري ما شفتها قبل كده، وقالتلي بصوت واطي
أنا وعدت بنتك بحاجة… وأعتقد إن جه الوقت أخيرًا إنك تعرفي الحقيقة.
من اللحظة دي، حياتي كلها اتغيرت.
لما بنتي مريم قالتلي لأول مرة إنها حامل، كانت لسه مكملة 18 سنة من فترة بسيطة.
افتكرت إنها بتهزر.
ضحكت وقلت لها
إنتِ بتتكلمي جد؟
لكن أول ما شفت عينيها، عرفت إن مفيش هزار.
قعدت قدامها وأنا مش عارفة أقول إيه.
سألتها
مين أبو الطفل يا مريم؟
وطبعًا كنت متوقعة إنها هتقول اسم شخص أعرفه.
لكنها سكتت.
رجعت سألتها
مريم، أنا أمك. مهما حصل، قوليلي.
رفعت عينيها وقالت
يا ماما، أرجوكي… أنا أقدر أتصرف.
الجملة دي كانت كل اللي سمعته.
حاولت أعرف منها أكتر.
مين هو؟
هل عارف بالحمل؟
هل هيتجوزها؟
هل أهله يعرفوا؟
لكن كل مرة كنت بفتح الموضوع، كانت بتقفل الكلام بسرعة.
وفي مرة، لما ضغطت عليها، قامت من قدامي ودخلت أوضتها وقفلت الباب.
ومن ورا الباب سمعتها بتعيط.
ساعتها حسيت إني لو فضلت أسأل، ممكن أخسر بنتي وهي لسه عايشة.
فبطلت.
وقلت لنفسي
لما تكون مستعدة، هتحكي.
لكنها ماحكتش.
عدت شهور الحمل.
كنت بحاول أكون جنبها قدر الإمكان.
أجهز لها الأكل.
أوديها للدكتور.
وأطمن عليها.
وفي كل مرة كنت ببص لبطنها، كان جوايا سؤال واحد
مين أبو الطفل؟
لكنني كنت ساكتة.
لحد ما جه يوم الولادة.
كنت قاعدة في المستشفى مستنية.
الساعات كانت بتعدي ببطء شديد.
وفجأة، شفت الدكتور خارج من غرفة العمليات.
مجرد نظرة واحدة على وشه خلت قلبي يقع.
قمت بسرعة.
بنتي كويسة؟
الدكتور سكت لحظة.
وبعدين قال
أنا آسف جدًا… عملنا كل اللي نقدر عليه.
حسيت إن الأرض اختفت من تحت رجلي.
مسكت في الحيطة وقلت
مريم؟
هز راسه بأسف.
أنا حتى ماقدرتش أعيط.
كل اللي قدرت أقوله
والبيبي؟
الدكتور رد
البيبي كويس.
وبعدين أضاف
لكنه هيحتاجك جنبه.
في اللحظة دي فهمت إني خسرت بنتي…
لكن كسبت مسؤولية عمر كامل.
رجعت البيت بحفيدي.
طفل صغير جدًا، ملامحه لسه مش واضحة.
كنت ببص له بالساعات وأسأل نفسي
إنت ابن مين؟
لكن كل ما أبص في عينيه، كنت أشوف مريم.
فقررت أربيه.
مش عشان أخبي الحقيقة.
لكن لأن الحقيقة الوحيدة اللي كنت أعرفها وقتها…
إنه ابن بنتي.
مرت الأيام.
وبعدين السنين.
كبر الطفل واسميته آدم.
كان طفل هادي، طيب، وفضولي جدًا.
من وهو صغير كان بيحب يسأل عن كل حاجة.
وفي يوم، وهو عنده خمس سنين، شاف صورة لمريم على الرف.
سألني
تيتة، دي مين؟
قلت له
دي ماما.
فضل ساكت شوية.
وبعدين قال
هي راحت فين؟
اتوجعت.
لكن ابتسمت وقلت
راحت عند ربنا.
سألني
طب بابا فين؟
وقتها اتجمدت.
لأني كنت عارفة إن السؤال ده هييجي يومًا ما.
قلت
معرفش يا حبيبي.
بصلي باستغراب.
يعني إيه متعرفيش؟
مسحت على شعره وقلت
لما تكبر هفهمك كل حاجة أعرفها.
كبر آدم.
ومع كل سنة، السؤال كان بيرجع.
لكنني لم أكذب عليه.
كنت دائمًا أقول
أنا فعلًا معرفش مين أبوك.
وكان ده أصعب شيء في حياتي.
لأني لم أكن أملك حتى إجابة بسيطة أعطيها لطفل يسأل عن نصف عائلته.
مرت عشر سنين.
وفي يوم، قررنا نروح نزور قبر مريم.
كان آدم عنده عشر سنين وقتها.
وقبل ما نطلع التل، كان ماسك كارت صغير.
سألته
إيه ده؟
قال
عملته لماما.
ابتسمت رغم وجعي.
هتفرح بيه.
لكن فجأة وقف.
حط إيده على جيبه وقال
يا تيتة… أنا نسيت الكارت في العربية!
ضحكت وقلت
خلاص، انزل هاته.
جري ناحية موقف العربيات.
وأنا كملت طريقي للقبر.
لكن أول ما وصلت…
شفت ست واقفة هناك.
ست عمري ما شفتها قبل كده.
كانت واقفة قدام قبر مريم من غير ورد.
ومن غير ما تقرأ فاتحة.
بس كانت بتبص للاسم المحفور على الحجر.
قربت منها وقلت
حضرتك تعرفي مريم؟
الست لفت ناحيتي.
وأول ما شافتني، وشها اتغير.
قالت
إنتِ أمها؟
قلت بحذر
أيوه… إنتِ مين؟
بصت ناحية المكان اللي آدم كان نازل منه.
وبعدين رجعت بصتلي.
وقالت
أنا مستنياكي من عشر سنين.
حسيت بقشعريرة في جسمي.
مستنياني أنا؟
هزت راسها.
أيوه.
سألتها
ليه؟
مدت إيدها داخل شنطتها.
طلعت جواب قديم.
كان مقفول.
وعليه اسمي.
لكن أول ما شفت الخط…
اتجمدت.
كان خط مريم.
قلت بصوت مبحوح
ده… خط بنتي.
قالت
أيوه.
مسكت الجواب بإيد مرتعشة.
إنتِ كنتِ تعرفيها؟
قالت
كنت أعرفها.
وكانت تعرفك؟
أكتر مما تتخيلي.
بصيت للجواب.
وبعدين بصيت لها.
ليه معاكي رسالة من بنتي من عشر سنين؟
الست نزلت عينيها.
وقالت
لأنها طلبت مني ما أسلمهاش ليكي إلا بعد ما يحصل شيء معين.
قلبي دق بسرعة.
إيه هو؟
قالت
لما ابنها يوصل لعشر سنين.
سكت.
بصيت ناحية الطريق.
آدم كان لسه بعيد.
رجعت بصيت لها وقلت
إنتِ عارفة مين أبو ابني؟
هنا سكتت فترة طويلة.
وبعدين قالت
أيوه.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
مين؟
لكنها ماجاوبتش.
بدل كده، مدتلي الجواب.
وقالت
مريم ما كانتش خايفة إنك تعرفي الحقيقة…
وسكتت.
كانت خايفة إن الحقيقة تأذيك.
بصيت للجواب كأني لأول مرة أشوفه.
قلت
أنا مستعدة أعرف أي حاجة.
هزت راسها.
حتى لو الحقيقة هتغير كل اللي كنتِ فاهمينه عن بنتك؟
قلت
حتى لو هتوجعني.
ردت
يبقى افتحي الجواب.
مديت إيدي للظرف.
وقبل ما أفتحه…
سمعت صوت آدم من ورايا
تيتة!
لفيت بسرعة.
كان واقف بعيد، ماسك الكارت في إيده.
لكن أول ما شاف الست…
وقف مكانه.
والست أول ما شافته…
وشها اتغير تمامًا.
بصتله كأنها شافته قبل كده.
رغم إنني كنت متأكدة…
إنها لم تقابله في حياتها.
همست
هو ده آدم؟
قلت
أيوه.
سكتت لحظة.
وبعدين قالت جملة خلت قلبي يقف
يبقى هو فعلًا يشبه أبوه.
رفعت عيني لها بسرعة.
إنتِ شفتي أبوه؟
لكنها ماجاوبتش.
فقط قالت
افتحي الجواب يا أم مريم.
وأنا واقفة بين حفيدي…
ورسالة بنتي…
والمرأة الغامضة…
كنت لأول مرة على بعد ثوانٍ من معرفة السر اللي عاش معايا عشر سنين.
مين أبو آدم؟
وليه مريم أخفت اسمه عني؟
وليه طلبت إن الرسالة ما توصلنيش غير بعد ما ابنها يتم عشر سنين؟
والأهم…
إيه الحقيقة اللي كانت مريم خايفة إنها تأذيني؟مديت إيدي للظرف، لكن إيدي كانت بتترعش لدرجة إني ماعرفتش أفتحه.
آدم قرب مني وقال
تيتة، الست دي مين؟
بصيت له بسرعة، وبعدين بصيت للست.
قالت بهدوء
أنا كنت أعرف مامتك.
آدم ابتسم وقال
تعرفي ماما؟
الست ابتسمت له، لكن عينيها كانت مليانة دموع.
أيوه يا حبيبي.
سألها
هي كانت بتحبني؟
الست ماقدرتش ترد فورًا.
بصتلي، وكأنها مستنية مني الإذن.
فقلت
طبعًا كانت بتحبك.
آدم نزل عينيه على الكارت اللي في إيده وقال
أنا جبتلها حاجة.
ومشى ناحية القبر.
ركع وحط الكارت قدام شاهد القبر.
وبص للاسم المكتوب عليه.
كل سنة وإنتِ طيبة يا ماما.
الكلمة كسرت قلبي.
لفيت وشي عشان مايشوفش دموعي.
أما الست، فكانت واقفة ساكتة.
بعد ثواني قالت
مريم كانت دايمًا بتتكلم عنه.
بصيت لها.
عن مين؟
قالت
عن ابنها.
قلت
آدم؟
هزت راسها.
أيوه.
سألتها
كانت بتتكلم عنه إزاي؟
ابتسمت بحزن.
كانت بتقول إنها نفسها تشوفه وهو كبير.
سكتت شوية، وبعدين أضافت
وكانت بتقول إن أبوه أكيد هيحبه جدًا.
قلبي اتقبض.
قلت
يبقى أبوه كان موجود؟
الست بصتلي مباشرة.
كان موجود.
حسيت إني مش قادرة أتنفس.
طب ليه عمره ما ظهر؟
قالت
لأنه ماكانش يعرف إن مريم ماتت.
اتصدمت.
إزاي؟
قالت
لأن مريم كانت مخبية عنه حاجات كتير.
ليه؟
الست بصت ناحية آدم.
لأنها كانت خايفة عليه.
سألتها
خايفة عليه من إيه؟
ردت
مش منه.
وسكتت.
كانت خايفة إن عيلته تمنعها من تربية ابنها.
أنا ما فهمتش.
قلت
عيلته؟
هزت راسها.
مريم كانت متجوزة.
الجملة وقعت عليّ كأنها صدمة.
بصيت لها وأنا مش مستوعبة.
إيه؟
قالت
مريم كانت متجوزة.
صوتي خرج ضعيف
بنتي كانت متجوزة؟
أيوه.
وإزاي أنا معرفش؟
نزلت عينيها.
لأنها طلبت مني ما أقولكيش.
قربت منها.
مين جوزها؟
مدت إيدها للظرف.
اسمه موجود في الجواب.
بصيت للظرف.
ثم سألت
وليه مريم ماقالتش لي؟
قالت
لأنها كانت فاكرة إنك هتخافي عليها.
أخاف عليها من جوزها؟
مش منه.
سكتت لحظة.
من عيلته.
رجعت بصيت ناحية آدم.
كان واقف قدام قبر أمه، مشغول بالكارت.
قلت لها
أنا مش فاهمة حاجة.
قالت
عشان كده مريم كتبت كل حاجة.
أخيرًا فتحت الظرف.
جوا الرسالة ورقة مطوية بعناية.
وأول سطر فيها كان
ماما… لو إنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى أنا ماقدرتش أقولك الحقيقة بنفسي.
اتحبست أنفاسي.
كملت
أنا عارفة إنك هتزعلي مني، وعارفة إنك هتسألي نفسك ليه خبيت عنك.
بس أنا ماخبيتش عشان ما بثقش فيكي… أنا خبيت عشان كنت بحاول أحمي ابني.
وقفت عن القراءة.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
الست قالت
كملي.
رجعت للرسالة.
أنا اتجوزت من آدم أبوه بعقد رسمي، والجواز كان معروف عند ناس قليلة جدًا. هو كان مسافر وقتها بسبب شغله، وكنا بنرتب إننا نعيش مع بعض بعد ما يرجع.
اتنفست ببطء.
إذن ابنتي لم تكن وحدها.
كان لها زوج.
وكان هناك أب حقيقي للطفل.
كملت القراءة
ماما، أنا ماكنتش خايفة منه. بالعكس… هو كان أكتر شخص وثقت فيه.
لكن حصل خلاف كبير بين العيلتين، واضطرينا نخبي الجواز لفترة.
رفعت عيني للست.
يعني هو كان جوزها فعلًا؟
قالت
أيوه.
رجعت للرسالة.
لو حصل لي حاجة، أهم حاجة عندي إن آدم يفضل معاكِ لحد ما تتأكدي إن الوقت مناسب يعرف أبوه.
قلبي دق بعنف.
وقرأت السطر اللي بعده
لكن في حاجة لازم تعرفيها قبل ما تبحثي عنه…
توقفت.
إيدي جمدت.
كان تحت السطر فراغ طويل، وكأن مريم كانت مترددة وهي بتكتب.
ثم قرأت
أبوه مش هو الشخص اللي الناس كانت فاكرة إنه أبوه.
بصيت للست بسرعة.
يعني إيه؟
قالت
كملي.
قرأت
يوم ولادتي، كان في شخص حاول يمنع وصول خبر ولادة آدم لأبوه.
شهقت.
مين؟
لكن الإجابة كانت في آخر الصفحة.
اسم واحد.
اسم رجل لم أسمعه في حياتي.
عم آدم.
سكتُّ تمامًا.
رفعت عيني للست.
عمه؟
هزت راسها.
أيوه.
ليه يعمل كده؟
قالت
دي الحكاية اللي مريم ماقدرتش تحكيها لك.
في اللحظة دي، سمعت صوت آدم من بعيد
تيتة!
لفيت.
كان واقف ماسك الكارت، لكنه ماكانش لوحده.
كان فيه رجل واقف عند بداية الطريق.
رجل في منتصف العمر.
كان بيبص ناحية القبر.
وبمجرد ما شاف الست…
تغيرت ملامحه.
الست شهقت وقالت
مستحيل…
سألتها
مين ده؟
ما ردتش.
الرجل بدأ يمشي ناحيتنا.
خطوة…
ثم خطوة…
ثم وقف أمامنا.
وبص لآدم طويلًا.
وبص للصورة الموجودة على قبر مريم.
ثم قال بصوت مكسور
أنا كنت فاكر إن ابني مات من عشر سنين.
أنا ماقدرتش أتكلم.
آدم بص له باستغراب.
أما الرجل، فدموعه نزلت وهو بيقول
ماكنتش أعرف إن مريم ماتت…
ثم بصلي وقال
ولا كنت أعرف إن ابني عاش كل السنين دي بعيد عني.
وقتها فهمت…
إن الرجل اللي قدامي مش مجرد شخص يعرف مريم.
ده كان زوج بنتي… وأبو حفيدي فضلت باصة للرجل قدامي، وأنا مش قادرة أستوعب اللي سمعته.
آدم كان واقف جنبي، وبص للرجل باستغراب.
قال
تيتة… هو مين؟
ماعرفتش أرد.
الرجل مسح دموعه بسرعة، وكأنه مش عايز يظهر ضعفه قدام طفل لأول مرة يشوفه.
وقال
اسمي يوسف.
آدم مد إيده بتردد.
أنا آدم.
يوسف بص لإيده، وبعدين مسكها بكلتا إيديه.
وأول ما لمسه، عينيه اتمليت دموع.
قال بصوت مبحوح
عارف.
آدم استغرب.
إزاي عارفني؟
يوسف ابتسم بحزن.
عشان إنت ابني.
آدم سحب إيده فجأة وبصلي.
تيتة؟
أنا حسيت إن قلبي اتقطع.
كنت عارفة إن اللحظة دي هتيجي يومًا ما، لكني ما توقعتش أعيشها بالشكل ده.
قلت بهدوء
آدم… هو والدك.
فضل ساكت.
يوسف ماحاولش يقرب منه.
قال
مش هطلب منك تعتبرني باباك من أول يوم. أنا عارف إنك ما تعرفنيش، ومن حقك تاخد وقتك.
آدم بص له وقال
إنت كنت فين؟
السؤال كان بسيط…
لكن وقع على يوسف كأنه ضربة.
نزل عينيه.
كنت بدور
عليك.
آدم رد بسرعة
ليه ماجتش؟
يوسف رفع عينيه ليه.
لأني ماكنتش أعرف إنك موجود.
آدم سكت.
بصلي.
وبعدين سأل
بس ماما كانت تعرفه؟
قلت
أيوه.
يوسف قال
ومامتك كانت بتحاول توصلني.
هنا الست اللي كانت واقفة جنبنا تدخلت.
وأنا كنت حلقة الوصل بينكم.
بصيت لها.
إنتِ؟
قالت
اسمي هدى.
كنت أقرب صديقة لمريم في الفترة الأخيرة من حياتها.
وبعدين بصت ليوسف.
ومريم طلبت مني أبلغه بأي خبر مهم.
يوسف قال
آخر خبر وصلني منها كان قبل الولادة بأيام.
سألته
قالت لك إيه؟
اتنهد.
قالت إنها هتكون أم.
بص لآدم.
وقالتلي إن ابننا اسمه آدم.
أنا حسيت بغصة في حلقي.
قلت
طب ليه ماجتش؟
يوسف رد
جيت.
سكت.
إيه؟
قال
جيت المستشفى.
بصيت له بصدمة.
مستحيل.
قال
كنت واقف عند الباب.
وإنت عرفت إنها ولدت؟
أيوه.
طب ليه ما دخلتش؟
يوسف بص للأرض.
لأن أخويا منعني.
الست هدى قالت
دي كانت بداية الكارثة.
بصيت لها.
احكيلي كل حاجة.
قالت
يوسف كان متجوز مريم بعقد رسمي، لكن أسرته كانت رافضة الجواز بسبب خلاف قديم بين العيلتين. هو كان مصمم يكمل حياته معاها، وكان مسافر يجهز شغله وبيته.
يوسف أكمل
ولما عرفت إنها حامل، رجعت بسرعة. لكن أخويا سبقني.
سألته
عمل إيه؟
قال
قاللي إن مريم مش عايزة تشوفني.
شهقت.
وهي قالت كده؟
هز راسه.
لأ.
سكت لحظة.
عرفت بعدها بسنين إن الرسالة اللي وصلتني ما كانتش منها.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
رسالة مزورة؟
قال
أيوه.
هدى قالت
ومريم كانت بتحاول تبعت له، لكن كل مرة كانت الرسائل بتختفي.
بصيت ليوسف.
وإنت صدقت؟
نزل رأسه.
للأسف.
ثم أضاف
لكن في يوم الولادة، أخويا اتصل بيا وقال إن مريم ماتت وإن الطفل كمان مات.
اتجمدت.
قال لك إن آدم مات؟
أيوه.
وإنت صدقته؟
كنت منهار. طلبت أشوف شهادة الوفاة، لكنه قال إن المستشفى رفضت تسلمني أي أوراق.
سكت.
وبعدها اختفى كل شيء.
بصيت لآدم.
كان واقف ساكت، بيحاول يفهم.
قلت ليوسف
وإزاي اكتشفت إن ابنك عايش؟
أخرج من جيبه صورة قديمة.
ناولني إياها.
كانت صورة لمريم وهي حامل.
وفي خلف الصورة كان مكتوب
لو حصل لي حاجة… خلي آدم يعرف إن أبوه عمره ما سابه.
قلت
دي كانت عندك؟
هز رأسه.
هدى سلمتهالي من شهر.
بصيت لهدى.
وإنتِ ليه استنيتي عشر سنين؟
دموعها نزلت.
لأن مريم طلبت مني.
قالت
قبل وفاتها بيوم، كانت عارفة إن حالتها صعبة.
مسكت إيدي وقالتلي لو أنا مت، ما تروحيش ليوسف فورًا.
سألتها
ليه؟
قالت
قالتلي أخو يوسف مش هيوقف. لو عرف إن يوسف عرف إن ابنه عايش، هيحاول ياخده منه بأي طريقة.
سكتنا جميعًا.
ثم قالت هدى
مريم كانت عايزة آدم يكبر بعيد عن المشاكل.
بصيت ليوسف.
وإنت دلوقتي عايز إيه؟
يوسف بص لابنه.
عايز فرصة.
آدم سأله
فرصة لإيه؟
يوسف ابتسم.
فرصة أعرفك.
آدم فكر شوية.
وبعدين قال
ممكن تيجي معانا البيت؟
يوسف اتفاجئ.
بصلي.
وأنا لأول مرة من عشر سنين حسيت إن مريم كانت بتحاول تعمل حاجة أكبر من مجرد إخفاء سر.
كانت بتحمي ابنها.
لكن قبل ما نتحرك، رن تليفون يوسف.
بص للشاشة.
وشه اتغير.
قلت
مين؟
ما ردش.
الهاتف رن مرة تانية.
فتح المكالمة.
وسمعنا صوت رجل من الناحية التانية
عرفت إنك قابلت ابنك.
يوسف وقف مكانه.
الصوت أكمل
كان المفروض تسيب الماضي مدفون.
يوسف قال
انتهى كل شيء يا سامح.
ضحكة قصيرة طلعت من الطرف الآخر.
لأ… لسه ما بدأناش.
ثم أُغلقت المكالمة.
بصيت ليوسف.
مين سامح؟
يوسف سكت.
هدى قالت بصوت خافت
أخوه.
في اللحظة دي، فهمت إن ظهور يوسف في حياتنا مش هيكون مجرد لمّ شمل أب وابنه.
كان وراه سر أكبر.
والرسالة اللي كتبتها مريم…
لسه ما قريناش منها غير جزء بسيط.
لأن آخر صفحة في الظرف كانت مطوية بطريقة مختلفة.
وكان مكتوب عليها
ماما… لو يوسف ظهر فعلًا، لازم تعرفي الحقيقة الأخيرة قبل ما تثقي في أي حد فضلت ماسكة آخر صفحة من رسالة مريم، ومش قادرة أفتحها.
يوسف كان واقف قدامي، وآدم جنبه، وهدى ساكتة.
قلت
يعني إيه قبل ما تثقي في أي حد؟
هدى بصت ليوسف.
يوسف قال
أنا كمان مش عارف.
فتحت الصفحة ببطء.
وكان أول سطر
ماما، لو وصلتي للجزء ده، يبقى يوسف عرف بآدم، وسامح عرف إن الحقيقة ظهرت.
قلبي اتقبض.
كملت
بس قبل ما تسمحي ليوسف يدخل حياة آدم، لازم تعرفي حاجة مهمة جدًا عن الجواز.
رفعت عيني ليوسف.
إيه اللي مريم كانت هتقوله؟
يوسف قال
معرفش.
رجعت للرسالة.
يوسف كان زوجي فعلًا، والجواز كان رسمي، لكن سامح كان بيحاول يثبت إن الجواز باطل.
استغربت.
بصيت ليوسف.
ليه؟
قال
بسبب ورق.
ورق إيه؟
سكت.
هدى قالت
قبل الجواز، كان فيه خلاف على ملكية أرض كبيرة بين عيلة مريم وعيلة يوسف.
أنا بصيت لها باستغراب.
وإيه علاقة ده بالجواز؟
قالت
سامح كان شايف إن جواز يوسف من مريم هيغير حاجات كتير في الميراث.
يوسف أضاف
والدي كان سايب وصية.
سألته
وصية بإيه؟
قال
لو اتجوزت مريم، جزء كبير من أملاكي هيكون من حق ابني وذريته.
بصيت لآدم.
فهمت فجأة.
يعني آدم له حق في الميراث؟
يوسف هز رأسه.
أيوه.
هدى قالت
وده السبب الحقيقي اللي خلى سامح يحاول يبعد يوسف عن مريم.
رجعت للرسالة.
ماما، لو يوسف جه بعد موتي، ما تعاقبيهوش على حاجة هو ماعملهاش. لكن برضه ما تسلميش آدم لأي حد قبل ما تتأكدي من الأوراق.
وقفت عن القراءة.
قلت
أي أوراق؟
الصفحة كان فيها سطر جديد
في درج مكتب بابا، هتلاقي ظرف بني. جواه نسخة من عقد جوازي، ونسخة من وصية والد يوسف، ودليل إن سامح كان عارف إن آدم ابنه.
رفعت رأسي بسرعة.
بابا؟
للحظة، افتكرت والد مريم.
والدي كان متوفي من سنين.
لكن مريم كانت بتقصد مكتبه القديم.
قلت
المكتب لسه موجود.
يوسف قال
فين؟
قلت
في البيت القديم.
يوسف بص لهدى.
لازم نروح هناك.
لكن آدم شد إيدي.
تيتة، هو إحنا هنروح فين؟
نزلت لمستواه.
هنروح مكان فيه حاجات تخص ماما.
قال
وإنتِ هتجيبيلي حاجة منها؟
ابتسمت.
هجيبلك الحقيقة.
رجعنا البيت.
كنت فاكرة إن المكتب هيكون زي ما هو.
لكن أول ما دخلنا، حسيت إن عشر سنين اختفوا فجأة.
كل حاجة كانت في مكانها.
الكتب.
الكرسي.
المكتبة.
حتى القلم القديم اللي كان أبو مريم بيكتب بيه.
بدأنا ندور.
يوسف كان بيدور بهدوء.
هدى كانت بتفتح الأدراج.
أما أنا، فكنت بدور على الظرف البني.
بعد حوالي نصف ساعة، آدم نادى
تيتة!
جريت ناحيته.
كان واقف جنب المكتبة.
وفي إيده مفتاح صغير.
قال
لقيته ورا الكتب.
يوسف أخد المفتاح.
وبصلي.
أكيد ده هو.
فتشت في الأدراج.
لكن مفيش درج بالمفتاح.
فضلنا ندور.
لحد ما يوسف لاحظ صندوق خشب صغير تحت المكتب.
دخل المفتاح.
واتفتح.
جواه كان فيه ظرف بني.
وفوقه صورة قديمة لمريم ويوسف.
مريم كانت مبتسمة.
ويوسف كان حاطط إيده على كتفها.
آدم مسك الصورة.
وقال
دي ماما؟
يوسف ابتسم.
أيوه.
آدم بص للصورة فترة طويلة.
ثم سأل
وإنت كنت بتحبها؟
يوسف رد من غير تردد
جدًا.
آدم قال
وهي كانت بتحبك؟
يوسف بص للصورة.
أكتر مما تتخيل.
فتحنا الظرف.
كان جواه عقد الزواج.
وصورة من الوصية.
وأوراق تانية.
لكن وسط الأوراق…
كان فيه ظرف أبيض صغير مكتوب عليه
لآدم… لما يكبر.
يوسف مد إيده.
لكنني منعته.
دي لآدم.
سكت.
وأعطيتهاله.
آدم مسك الظرف.
قال
أفتحه دلوقتي؟
بصيت له.
دي رسالتك من ماما. القرار قرارك.
فتح الظرف.
وكان جواه ورقة واحدة.
قرأها بصوت متقطع
يا آدم، لو إنت بتقرأ الرسالة دي، يبقى بقيت كبير كفاية تعرف إن وجودك في الدنيا كان أكتر حاجة فرحتني.
صوته بدأ يرتعش.
كمل
أبوك اسمه يوسف.
ولو يومًا حسيت إنه غاب عنك، افتكر إن غيابه ماكانش اختياره.
يوسف غطى وشه بإيده.
أما آدم فكمل
لو قابلته، اسمع منه قبل ما تحكم عليه.
سكت آدم.
وبعدين بص ليوسف.
يوسف قرب منه.
لكن ما لمسه.
آدم هو اللي قرب الأول.
يوسف انهار في البكاء.
وأنا بصيت للسماء.
وقلت في سري
يا مريم… أخيرًا ابنك عرف أبوه.
لكن الفرحة ما كملتش.
لأن هدى كانت ماسكة آخر ورقة.
وشها اتغير.
قلت
في إيه؟
قالت
الورقة دي من سامح.
يوسف خدها بسرعة.
قرأ أول سطر.
ثم قال
مستحيل.
سألته
مكتوب إيه؟
ناولني الورقة.
وكان فيها
يوسف، لو عايز تعرف مين كان السبب الحقيقي في موت مريم… تعالى لوحدك.
سكت البيت كله.
بصيت ليوسف.
يعني إيه السبب الحقيقي في موت بنتي؟
يوسف ما ردش.
وفي اللحظة دي…
سمعنا صوت طرق قوي على باب البيت.
ثلاث خبطات متتالية.
آدم قرب مني.
يوسف وقف قدامنا.
وهدى همست
محدش كان عارف إننا هنا.
الخبط رجع تاني.
يوسف قرب من الباب.
لكن قبل ما يفتحه، وصل صوت من الخارج
أنا مش جاي أؤذي حد.
سكت لحظة.
ثم قال
أنا جاي أقولكم الحقيقة اللي مريم ماتت وهي بتحاول تخبيها يوسف فضل واقف قدام الباب، ومحدش فينا اتكلم.
الصوت من الخارج كرر
افتح يا يوسف.
يوسف بصلي، ثم بص لهدى.
هدى وشها كان شاحب.
همست
ده سامح.
يوسف قال
إنت قلت إنك مش هتأذي حد.
جاء الرد
وأنا عند كلمتي.
يوسف فتح الباب، لكن ما فتحوش على الآخر.
ظهر سامح قدامنا.
كان أكبر من يوسف بحوالي أربع سنين، لابس بدلة بسيطة، وملامحه متعبة.
أول ما شافني، قال
أنا عارف إن مفيش كلام ممكن يصلح اللي حصل.
رديت عليه
يبقى اتكلم.
دخل خطوتين، وبص ناحية آدم.
لما شافه، سكت طويلًا.
آدم كان واقف جنبي.
قال سامح
ده شبه مريم جدًا.
رديت بحدة
إنت مالك بمريم؟
سكت.
ثم قال
أنا كنت السبب في إن يوسف ما يعرفش إن ابنه عايش.
يوسف تقدم ناحيته.
ليه؟
سامح ما ردش فورًا.
قعد على الكرسي، وحط إيده على وشه.
لأنني كنت غبي.
يوسف قال
دي مش إجابة.
رفع سامح عينيه.
أبويا كان مريض، وكان خايف إن بعد موتي وموتك كل حاجة تضيع.
يوسف رد
كل حاجة؟ ولا الأرض والفلوس؟
سامح ما أنكرش.
الاتنين.
أنا قلت
يعني بسبب الميراث فرقت بين بنتي وجوزها؟
سامح بصلي.
أيوه.
وكذبت عليه؟
أيوه.
وقلت له إن مريم ماتت؟
نزل عينيه.
أيوه.
يوسف اندفع ناحيته، لكنني مسكت ذراعه.
استنى.
سامح قال
لكن في حاجة أنتم مش عارفينها.
بصينا له.
مريم كانت عارفة إني بمنع يوسف من الوصول ليها.
اتجمدت.
عرفت إزاي؟
شافتني مرة وأنا بقطع جواب منها.
يوسف قال
وإنت كنت فاكر إنها هتسكت؟
سامح هز رأسه.
لأ.
ثم أخرج من جيبه ظرفًا قديمًا.
عشان كده هي واجهتني.
ناول الظرف ليوسف.
يوسف فتحه.
كان فيه ورقة بخط مريم.
قرأها بصوت منخفض
سامح، أنا مش هسمح لك تبعد يوسف عن ابنه. ولو حاولت، هقول له كل حاجة.
سكت.
ثم بص لسامح.
إيه اللي حصل بعدها؟
سامح قال
مريم كانت مصممة تقولك الحقيقة.
وإنت منعتها؟
حاولت.
حاولت إزاي؟
قال
روحت لها البيت القديم.
أنا قربت منه.
البيت اللي كانت فيه قبل الولادة؟
أيوه.
حصل إيه؟
قال
اتخانقنا.
يوسف سأله
وضربتها؟
سامح هز رأسه بسرعة.
لا.
ثم قال
لكنني أخطأت خطأ عمري.
سألته
إيه الخطأ؟
قال
خرجت وأنا سايب مريم في حالة سيئة جدًا.
يوسف اتغيرت ملامحه.
كانت تعبانة؟
كانت مرهقة وبتعيط.
سألته
وبعدها؟
سامح أغمض عينيه.
في نفس الليلة، راحت المستشفى.
أنا شهقت.
يعني إنت السبب في موتها؟
قال بسرعة
أنا مش بقول كده.
أمال بتقول إيه؟
أنا بقول إنني كنت آخر شخص شافها قبل ما حالتها تتدهور.
ساد الصمت.
ثم قال سامح
لكن مريم قبل ما تدخل المستشفى اتصلت بحد.
بصيت له.
بمين؟
قال
بهدى.
هدى ارتبكت.
بصيت لها.
إنتِ؟
قالت
أيوه.
وإيه اللي قالت لك؟
هدى دموعها نزلت.
قالتلي لو حصل لي حاجة، خلي آدم يفضل مع أمي.
ثم سكتت.
وقالت حاجة تانية.
يوسف قرب منها.
إيه؟
هدى بصت لي.
قالتلي ما تقوليش ليوسف أي حاجة إلا بعد عشر سنين.
يوسف صرخ
ليه؟
هدى ردت
لأنها كانت خايفة إنك تحاول تاخد آدم، وسامح يستخدم الموضوع ضدك.
يوسف قال
أنا أبوه!
هدى قالت
وهي كانت عارفة.
ثم أخرجت ورقة صغيرة.
ودي آخر حاجة كتبتها.
أخذتها منها.
كان مكتوب
يوسف أبوه، وأنا واثقة فيه. لكن لو عرف إن ابنه عايش قبل ما يقدر يحميه، سامح هيحاربه في المحكمة، والطفل هيدفع الثمن.
يوسف جلس.
واضح إن كل الغضب اللي جواه اختلط بالندم.
أما أنا فكنت لسه مش قادرة أستوعب.
سألت سامح
بس ليه بعد عشر سنين جيت؟
قال
لأنني اكتشفت إن أبويا كان سايب وصية تانية.
إيه؟
الوصية كانت بتقول إن آدم، باعتباره ابن يوسف، له حق قانوني في جزء من ممتلكات العائلة.
بصيت لآدم.
ثم قلت
يعني كل اللي حصل كان بسبب الفلوس؟
سامح قال
بدأ بسبب الفلوس.
وسكت.
لكنه كبر وبقى ذنب.
في اللحظة دي، آدم سأل بصوت صغير
هو أنا السبب؟
الكل سكت.
نزلت لمستواه بسرعة.
لأ يا حبيبي.
يوسف قرب منه وقال
إنت مالكش أي ذنب في حاجة حصلت قبل ما تيجي الدنيا.
سامح وقف.
وقال
وأنا جاي النهارده أطلب السماح.
بصيت له.
السماح مش عندي لوحدي.
ثم أشرت ناحية صورة مريم.
أنت لو عايز تسدد دينك الحقيقي، خليك صادق مع ابن أخوك.
سامح هز رأسه.
هعمل كده.
لكن قبل ما يمشي، وقف عند الباب.
وبص ليوسف.
في حاجة أخيرة.
يوسف قال
إيه؟
سامح قال
أنا كذبت عليك عشر سنين.
ثم بص ناحية آدم.
لكن في حاجة واحدة مريم قالتها عنك، وأنا عمري ما قدرت أنساها.
يوسف سأله
قالت إيه؟
سامح ابتسم بحزن.
قالت يوسف لو عرف إن ابنه عايش، هيقضي عمره يعوضه عن كل يوم فات.
ثم خرج.
فضل يوسف واقف عند الباب.
آدم قرب منه.
وقال
بابا؟
يوسف لف بسرعة.
دي كانت أول مرة آدم يناديه بالكلمة دي.
يوسف ما قدرش يتكلم.
وأنا وقفت بعيد، والدموع في عيني.
لأول مرة منذ عشر سنين…
حسيت إن البيت مش ناقصه حد.
لكن وأنا برجع الأوراق إلى الظرف، لقيت ورقة صغيرة جدًا وقعت من بين الصفحات.
فتحتها.
وكانت بخط مريم.
لكن الجملة المكتوبة عليها كانت مختلفة تمامًا
ماما… لو وصلتي للحقيقة دي، يبقى لسه في سر واحد لازم تعرفيه عن يوم ولادتي.
بصيت للورقة…
وقلبي بدأ يدق من جديد فضلت ماسكة الورقة، وعيني ثابتة على آخر جملة.
لسه في سر واحد لازم تعرفيه عن يوم ولادتي.
حسيت إن نفسي اتقطع.
بصيت ناحية يوسف، كان قاعد مع آدم بيتكلم معاه بهدوء.
ماحبتش أقولهم.
مش قبل ما أفهم الأول.
رجعت أقرا الورقة.
وتحت الجملة كان مكتوب
ماما، أنا عارفة إنك هتفتكري إن السر له علاقة ببابا آدم أو بسامح، لكنه مش كده.
وقفت.
يعني إيه؟
كملت
السر له علاقة بالشخص اللي أنقذ ابني بعد ما أنا مشيت.
اتجمدت.
الشخص اللي أنقذ آدم؟
أنا كنت فاكرة إني أنا اللي أنقذته.
أنا اللي خدته من المستشفى.
أنا اللي ربيته.
أنا اللي سهرت عليه.
مين تاني؟
قريت باقي الكلام
لو ماكانش الشخص ده موجود في المستشفى في اليوم ده، آدم ماكانش هيخرج منها.
قلبي بدأ يخبط.
مين؟
قلبت الورقة.
كان فيه اسم.
الدكتور عادل.
أنا افتكرت الاسم.
كان الطبيب اللي خرج يومها وقال لي إن مريم ماتت.
لكن ليه مريم كتبت عنه؟
وليه قالت إنه أنقذ آدم؟
قمت بسرعة.
يوسف سألني
في حاجة؟
قلت
لازم أرجع المستشفى.
في اليوم التالي، رجعت للمستشفى اللي اتولدت فيها آدم.
كنت فاكرة إن محدش هيفتكرني.
لكن بمجرد ما سألت عن الدكتور عادل، موظفة الاستقبال قالت
الدكتور عادل لسه شغال هنا.
قلبي دق بسرعة.
بعد دقائق، ظهر رجل في أواخر الستينات.
وأول ما شافني، وقف مكانه.
قال
أنا فاكر حضرتك.
قلت
وأنا فاكرة حضرتك.
سكتنا لحظة.
ثم قلت
بنتي مريم.
وشه اتغير.
مريم…
قلت
أنا عرفت حاجات كتير بعد عشر سنين.
ثم أخرجت الورقة.
وهي قالتلي إنك أنقذت حفيدي.
الدكتور بص للورقة.
ثم قال
كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
جلست أمامه.
احكيلي.
تنهد.
يوم ولادة آدم كان من أصعب الأيام اللي عدت عليا.
قلت
أنا فاكرة إنك قلتلي إن بنتي ماتت وإن الطفل كويس.
هز رأسه.
ده اللي كان لازم أقوله وقتها.
اتصدمت.
لازم؟
قال
لأن كان فيه مشكلة.
إيه المشكلة؟
قال
الطفل كان محتاج متابعة عاجلة، وفي نفس الوقت كان فيه شخص بيحاول يعرف مين أخده من المستشفى.
قلت
مين؟
الدكتور سكت.
ثم قال
سامح.
أنا اتجمدت.
سامح كان هنا؟
أيوه.
ليه؟
قال
جه قبل ما حضرتك توصلي.
سألته
وعمل إيه؟
قال
سأل عن الطفل.
وقال إنه عمه؟
قال إنه قريب للعائلة.
قلت
وإنت صدقته؟
هز رأسه.
لا.
ثم فتح درج مكتبه.
أخرج ملفًا قديمًا.
أنا كنت شاكك فيه.
فتح الملف.
وقال
عشان كده كتبت ملاحظة بخط إيدي إن الطفل لا يُسلّم لأي شخص غير والدته أو جدته.
بصيت للورقة.
كان عليها توقيعه.
ثم قال
لكن في حاجة تانية.
قلبي اتقبض.
إيه؟
قال
مريم قبل ما تدخل غرفة الولادة كانت واعية تمامًا.
بصيت له.
يعني؟
طلبت مني حاجة.
إيه؟
قال
قالتلي لو أنا ما خرجتش، ما تخليش حد يعرف إن ابني عايش إلا أمي.
دموعي نزلت.
كانت عارفة إنها ممكن تموت؟
قال
كانت عارفة إن حالتها خطيرة.
ثم سكت.
لكن مش دي أهم حاجة.
قلت
أمال إيه؟
قال
قبل العملية بدقائق، مريم سلمتني حاجة.
فتح درجًا ثانيًا.
وأخرج صندوقًا صغيرًا.
وقال
قالتلي ده لابني لما يكبر.
أخذت الصندوق بإيد مرتعشة.
كان عليه اسم آدم.
آدم يوسف.
قلت
ليه ما سلمتهوليش؟
قال
لأن تعليماتها كانت واضحة.
قالت إيه؟
قالت خليه مع أمي. ولما يتم عشر سنين، سلموه لها.
بصيت له بدهشة.
يعني هي كانت عارفة إني هربيه عشر سنين؟
قال
كانت بتتمنى.
فتحت الصندوق.
كان جواه سلسلة صغيرة عليها نصف قلب.
وفي ورقة
النصف التاني عند أبوه.
رفعت عيني للدكتور.
أبوه معاه النصف التاني؟
ابتسم.
أعتقد إنك لازم تسأليه.
رجعت البيت.
ولما دخلت، لقيت يوسف واقف في الصالة.
آدم كان نايم.
قلت له
يوسف.
لف ناحيتي.
طلعت السلسلة.
أول ما شافها…
حط إيده على رقبته.
وكان لابس سلسلة قديمة.
طلعها من تحت قميصه.
وكان فيها…
النصف الآخر من القلب.
بصيت له في صدمة.
قال
مريم ادتهالي يوم كتبنا الكتاب.
قرب النصفين من بعض.
اتجمعوا تمامًا.
وبينما أنا واقفة أبص لهم، يوسف قال
كانت دايمًا بتقول إن نص قلبها معايا، والنص التاني هيكون لابننا.
دموعي نزلت.
قلت
كانت عارفة إنها ممكن تموت؟
يوسف سكت.
ثم قال
لأ.
يعني؟
هي كانت متأملة ترجع البيت.
ثم بص للسلسلة.
لكن كانت مستعدة لكل الاحتمالات.
في اللحظة دي، خرج آدم من أوضته وهو نصف نايم.
قال
إيه اللي بتعملوه؟
بصيت له.
وابتسمت.
مامتك كانت مستنياك تعرف الحقيقة.
آدم قرب.
وشاف السلسلة.
يوسف قال
دي حاجة كانت مامتك محضراها ليك.
آدم لمس نصف القلب.
وقال
يعني هي كانت عارفة إني هقابل بابا؟
يوسف رد
كانت بتتمنى.
آدم ابتسم.
ثم سأل
طيب دلوقتي… إحنا هنفضل مع بعض؟
يوسف بصلي.
وأنا قلت
لو إنت عايز.
آدم رد من غير تردد
عايز.
وفي اللحظة دي، رن جرس الباب.
فتحت.
كانت هدى.
وفي إيدها ظرف جديد.
قالت
أنا آسفة إني جيت في الوقت ده.
قلت
في إيه؟
ناولتهولي.
لقيت الظرف ده بين حاجات مريم القديمة.
بصيت عليه.
كان مكتوب بخط بنتي
إلى أمي… بعد أن تعرفي الحقيقة كلها.
لكن تحتها كانت جملة صغيرة جعلتني أتوقف
لو يوسف وصل لابني، يبقى الخطة نجحت.
رفعت عيني لهدى.
خطة؟
هدى قالت
أيوه.
مريم كانت مخططة لكل ده؟
هزت رأسها.
من أول يوم عرفت فيه إنها حامل فتحت الظرف الجديد، وأنا مش قادرة أصدق إن مريم كانت مخططة لكل ده من قبل ما تولد آدم.
أول سطر كان
ماما، لو إنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى آدم كبر، ويوسف عرف إنه أبوه، وسامح بطل يقدر يخبي الحقيقة.
وقفت عن القراءة.
بصيت ليوسف.
إنت عارف حاجة عن الخطة دي؟
هز رأسه.
لأ.
رجعت للرسالة.
أنا عارفة إنك هتزعلي مني لأني خبيت جوازي، لكني ماكنتش بخبي عنك عشان أبعدك عني. كنت بخبي لأنني كنت بحاول أحميك من المشاكل اللي حصلت بين العيلتين.
حسيت بغصة.
مريم كانت خايفة عليّ أنا كمان.
كملت
أمي، أنا كنت عارفة إن سامح بيحاول يضغط على يوسف عشان يتنازل عن حقوقه.
وعرفت إن لو عرفوا إن عندي طفل، ممكن يستخدموه للضغط علينا.
بصيت ليوسف.
كان ساكت.
عشان كده قررت إن آدم يعيش معاكِ لو حصل لي حاجة. مش لأنني مش واثقة في يوسف، لكن لأنني كنت واثقة إنك الوحيدة اللي هتربيه بعيد عن أي صراع.
دموعي نزلت.
كنت فاكرة طوال عشر سنين إنني تحملت المسؤولية وحدي.
لكن مريم كانت مخططة إن ابنها يكون معايا من البداية.
ثم وصلت لسطر جعلني أتوقف
لكن فيه حاجة ما قلتهاش ليوسف.
يوسف قرب مني.
إيه؟
كملت القراءة.
أبو آدم مش بس جوزي.
هو كمان الشخص اللي اخترته عشان يكون قدوة لابني. ولو يومًا قابلته، ما تخليش غضبك من السنوات اللي فاتت يمنعه من ابنه.
يوسف مسح عينه.
وبعدين قال
كانت تعرفني كويس.
هدى قالت
كانت بتحبه جدًا.
سكتنا.
ثم كملت القراءة
ماما، لو يوسف وقف قدامك يومًا وقال لك إنه كان بيدور علينا، صدقيه. لأنه هيكون عنده دليل.
رفعت عيني.
دليل؟
يوسف قال
عندي حاجة.
دخل إيده في جيبه وطلع ورقة مطوية.
فتحها.
كانت تذكرة سفر قديمة، ومعاها إيصال من مكتب محاماة.
قال
قبل الولادة بأسبوعين، أنا كنت راجع عشان أخد مريم ونبدأ حياتنا.
بصيت للتاريخ.
كان هو نفس الأسبوع اللي كانت فيه مريم بتقول لي إنها مش عايزة تحكي.
يوسف قال
لكن لما وصلت، لقيت رسالة بتقول إنها مش عايزة تكمل الجواز.
هدى قالت
الرسالة كانت مزورة.
يوسف هز رأسه.
عرفت بعدين.
ثم بص لي.
لكنني وقتها صدقتها.
سألته
وليه ما رجعتش تدور؟
قال
رجعت بعد شهر.
سكت.
لقيت البيت فاضي.
أنا قلت
لأنها كانت في المستشفى.
يوسف أغمض عينيه.
لو كنت عرفت…
ماكملش.
آدم كان واقف قريب مننا، بيسمع كل حاجة.
قال
بابا، إنت زعلان؟
يوسف بص له.
زعلان على الوقت اللي ضاع.
آدم قرب منه.
ممكن نعوضه؟
يوسف ابتسم وسط دموعه.
هنحاول.
في اللحظة دي، سمعت صوت هدى.
لسه فيه جزء أخير.
بصيت لها.
إيه؟
قالت
مريم ما كانتش بتخطط بس لمستقبل آدم.
سكتت.
كانت بتخطط كمان إنها ترجع يوسف لحياته.
يوسف بص لها.
إزاي؟
هدى قالت
قبل وفاتها بأيام، مريم طلبت مني أوصل له رسالة.
وصلتيها؟
لأ.
يوسف سأل
ليه؟
هدى نزلت عينيها.
لأن سامح أخدها مني.
ساد الصمت.
سامح…
مرة تانية.
فتحت الرسالة بسرعة.
وكان فيها
لو الرسالة دي وصلت ليوسف، قولي له إني ما زعلتش منه. وقولي له إني كنت مستنية اليوم اللي يرجع فيه عشان أقول له إن آدم ابنه.
ثم سطر آخر
وقولي له إني كنت أتمنى أشوفه وهو شايل ابنه لأول مرة.
يوسف ماقدرش يمنع دموعه.
جلس على الكرسي.
وأنا لأول مرة شفت رجلًا ينهار من الندم، مش من الضعف.
آدم قرب منه.
وحط إيده على كتفه.
وقال
أنا موجود.
يوسف رفع عينيه له.
عارف.
آدم ابتسم.
يبقى متزعلش.
ابتسم يوسف.
وأنا ابتسمت وسط دموعي.
لكن وأنا بلم الرسائل، لقيت صورة صغيرة وقعت من الظرف.
قلبتها.
كانت صورة لمريم وهي حامل.
وفي ظهر الصورة جملة
اليوم اللي اتصورت فيه الصورة دي، عرفت إن عندي توأم.
اتجمدت.
بصيت للصورة.
ثم بصيت لهدى.
توأم؟
هدى ما ردتش.
يوسف وقف فجأة.
مريم ماقالتش لي إن في توأم.
بصيت له.
وأنا كمان ماعرفتش.
آدم سأل
يعني كان عندي أخ أو أخت؟
هدى أخيرًا تكلمت
لأ.
سكتت.
ثم قالت
مريم كانت حامل بطفلين فعلًا…
وبعدين بصت للصورة.
لكن في يوم الولادة، حصل شيء محدش حكاه لكم.
وضعت يدها على فمها.
الطفل الثاني اختفى من الملف.
وفي اللحظة دي…
رن هاتف يوسف.
نظر إلى الشاشة.
رقم مجهول.
فتح المكالمة.
جاء صوت رجل هادئ
لو عايز تعرف الحقيقة الكاملة عن الطفل الثاني…
سكت لحظة.
تعالى لوحدك.
ثم أغلق الخط يوسف فضل ماسك التليفون ثواني بعد ما المكالمة انتهت.
قلت له
بسرعة
هتروح؟
بص لي.
لأ.
اتصدمت.
ليه؟
قال بهدوء
لأن مريم لو كانت عايزة تخبي سر، ما كانتش هتخليني أروح لوحدي لحد مجهول.
هدى هزت راسها.
عنده حق.
آدم كان واقف بعيد، لكنه سمع كل كلمة.
قال
هو الطفل التاني مات؟
بصيت له، ومقدرتش أرد.
يوسف قرب منه وقال
إحنا لسه ما نعرفش الحقيقة. ولما نعرفها، هنقولك.
آدم سأل
ومين اللي اتصل؟
يوسف رد
شخص كان يعرف مامتك.
دخلنا البيت، وقعدنا حوالين الترابيزة.
يوسف حط الصورة قدامنا.
لازم نعرف الصورة دي اتاخدت فين.
بصيت في ظهرها.
كان فيه تاريخ.
نفس التاريخ اللي كانت فيه مريم دخلت متابعة في مستشفى الولادة.
هدى قالت
أنا فاكرة اليوم ده.
بصينا لها.
كنتِ معاها؟
قالت
أيوه.
وليه ما قلتيش؟
هدى اتنهدت.
لأن مريم طلبت مني ما أقولش أي حاجة غير لما آدم يتم عشر سنين.
يوسف ضرب بإيده على الترابيزة من غير ما يقصد.
كل حاجة كانت مرتبطة بعشر سنين!
هدى قالت
لأن مريم كانت عارفة إن بعد عشر سنين، حاجات معينة هتقدر تظهر قانونيًا من غير ما حد يقدر يمنعها.
سألتها
حاجات إيه؟
طلعت هدى ورقة قديمة من شنطتها.
دي كانت عندي من يوم وفاة مريم.
فتحتها.
كانت صورة من سجل طبي.
لكن فيه سطر متشطب.
يوسف أخد الورقة.
هنا مكتوب ولادة طفلين.
أنا بصيت له.
يبقى فعلًا كان فيه طفل تاني.
هدى قالت
استني.
وأشارت للسطر اللي تحته.
بصي على اسم الطبيب.
كان مكتوب
د. عادل.
نفس الطبيب اللي قابلناه قبل كده.
اتصلنا به فورًا.
رد بعد وقت قصير.
يوسف قال
يا دكتور، محتاجين نسألك عن يوم ولادة مريم.
ساد صمت على الطرف التاني.
ثم قال الطبيب
كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
قلبي وقع.
حضرتك كنت عارف إيه؟
قال
إنكم هتكتشفوا موضوع الطفل الثاني.
يوسف قام واقفًا.
طفل؟!
الطبيب قال
أيوه.
قلت
هو فين؟
سكت الدكتور.
ثم قال
قبل ما أقول لكم، لازم تعرفوا حاجة.
إيه؟
الطفل الثاني ما اختفاش من المستشفى.
اتجمدت.
أمال اختفى منين؟
قال
من السجل.
يوسف قال
يعني إيه؟
الدكتور رد بصوت منخفض
يعني إن الطفل خرج من المستشفى بشكل قانوني.
سكتنا جميعًا.
أنا قلت
مع مين؟
الدكتور قال
مع شخص كان عنده إذن رسمي باستلامه.
يوسف صرخ
مين؟!
لكن الطبيب لم يرد.
سمعنا صوت باب يُغلق عنده.
ثم قال
تعالوا لي بكرة الصبح.
وقبل ما يقفل، سألته
يا دكتور، الشخص ده كان سامح؟
صمت طويل.
ثم جاء رده
لا.
وأغلق الهاتف.
بصيت ليوسف.
لو مش سامح… يبقى مين؟
هدى كانت شاحبة.
قالت بصوت منخفض
أنا عندي اسم واحد ممكن يكون هو.
مين؟
رفعت عينيها علينا.
الشخص اللي مريم كانت بتثق فيه أكتر من أي حد بعد أمها ويوسف.
سألتها
مين؟
قالت
خالها.
يوسف اتجمد.
خالي كان مسافر وقتها.
هدى قالت
ده اللي كل الناس كانت فاكرة.
ثم فتحت حقيبتها، وطلعت ورقة أخرى.
لكن دي تذكرة رجوعه.
بصيت للتاريخ.
كان قبل ولادة مريم بيوم واحد.
يوسف قرب من الورقة.
وشه اتغير.
مستحيل…
سألته
إنت تعرف حاجة؟
قال
أعرف إن خالي اختفى من حياتنا بعد وفاة مريم مباشرة.
هدى قالت
لأنه ما اختفاش.
سكتت لحظة.
هو سافر بالطفل.
آدم كان واقف عند باب الغرفة.
سمع الجملة.
وقال
يعني عندي أخ؟
ولا واحد فينا قدر يجاوبه.
وفي اللحظة دي، وصلتنا رسالة على تليفون يوسف من نفس الرقم المجهول
لو عايزين تعرفوا مكان الطفل الثاني، افتحوا صندوق مريم الأسود.
بصيت ليوسف.
صندوق إيه؟
يوسف رد
معرفش.
لكن هدى كانت بتبص للأرض.
ولما رفعت عينيها، قالت
أنا أعرف مكانه.
ثم قامت.
مريم كانت مخبياه في المكان الوحيد اللي كانت متأكدة إن سامح عمره ما هيدور فيه.
بيتكم القديم رجعنا للبيت القديم في نفس اليوم.
كان البيت مقفول من سنين، والتراب مغطي كل حاجة، لكن هدى كانت ماشية جواه كأنها حافظاه حتة حتة.
يوسف سألها
إنتِ متأكدة إن الصندوق هنا؟
قالت
مريم هي اللي قالت لي.
دخلنا أوضة مريم.
الغرفة كانت لسه زي ما هي تقريبًا.
سرير صغير، دولاب خشب قديم، وصورة لمريم وهي طفلة معلقة على الحيطة.
آدم وقف قدام الصورة.
دي ماما؟
قلت
أيوه.
ابتسم.
كانت شبهّي.
يوسف بص له، وقال
وإنت شبهها فعلًا.
هدى راحت ناحية الدولاب، وفتحت الدرج السفلي.
ماكانش فيه حاجة.
قالت
مش هنا.
بصت للأرض.
ثم خبطت برجليها على البلاط.
طق.
بلاطة طلعت صوتها مختلف.
يوسف ركع وشالها.
تحتها كان فيه تجويف صغير.
لكن الصندوق مش موجود.
بدل الصندوق، لقينا ورقة مطوية.
فتحتها.
كان مكتوب
لو وصلتم للمكان ده، يبقى الصندوق خرج من هنا قبل ما أختفي.
تحتها اسم واحد
سامح.
يوسف اتنفس بعصبية.
رجعنا له تاني!
لكن كان فيه سطر آخر
سامح أخد الصندوق، لكنه مش عارف محتواه.
هدى قالت
يعني الصندوق كان معاه؟
كملت القراءة
أنا كنت عارفة إنه هيفتش ورايا، لذلك قسمت محتويات الصندوق على مكانين.
قلبت الورقة.
الجزء الأول في البيت.
والجزء الثاني عند الشخص الذي لا يستطيع سامح الوصول إليه.
يوسف قال
مين الشخص ده؟
سكتنا.
آدم فجأة قال
الدكتور عادل؟
بصينا له.
قال
هو قال إنه كان مخبي حاجة لحد ما أتم عشر سنين.
يوسف قرب منه.
ليه فكرت فيه؟
آدم قال
لأن ماما كانت بتثق فيه.
هدى ابتسمت لأول مرة.
الولد ده بيفكر صح.
اتصلنا بالدكتور عادل.
لكن هاتفه كان مغلقًا.
قررنا نروح له في العيادة.
لما وصلنا، لقينا الباب مقفول.
الجيران قالوا إنه ماجاش من الصبح.
لكن واحدة من العاملات قالت
الدكتور ساب لكم ظرف.
بصيت لها باستغراب.
لينا إحنا؟
هزت رأسها.
قال لو جت ست كبيرة ومعاها راجل وولد صغير، أديهم الظرف.
أخدت الظرف.
كان عليه اسمي.
فتحته.
وجدت ورقة قصيرة
الصندوق الثاني لم يكن عندي.
قلبي دق بسرعة.
ثم قرأت
أنا فقط كنت أحرس الدليل الموجود داخله.
وفي آخر الورقة
الطفل الثاني لم يكن مجهول المصير.
يوسف قال
يعني هو عايش؟
ماكانش فيه رد.
قلبت الورقة.
كان مكتوب
وهو لم يكن بعيدًا عنكم طوال السنوات الماضية.
آدم قال
يعني قريب؟
هدى بدأت تبص حواليها.
يا نهار أبيض…
سألتها
مالك؟
قالت
مريم كانت بتقول جملة غريبة جدًا قبل وفاتها.
إيه؟
قالت
أنا لو اختفيت، ابني مش هيكون بعيد عن أخوه.
يوسف اتجمد.
أخوه؟
قلت
بس آدم ماكانش يعرف إن عنده أخ.
هدى قالت
مريم كانت عارفة.
يوسف قرب منها
كانت عارفة إن الطفلين هيفضلوا قريبين؟
هزت رأسها.
أيوه.
ثم أضافت
وكانت عارفة اسم الطفل الثاني.
فتحت الظرف مرة تانية.
في آخر الصفحة كان فيه سطر صغير جدًا، كأنه اتكتب في اللحظة الأخيرة
اسمه…
لكن الاسم كان ممسوحًا بحبر أسود.
آدم قرب من الورقة.
ليه حد يمسح الاسم؟
يوسف قال
عشان ما نعرفش.
وفجأة…
رن هاتف يوسف.
نفس الرقم المجهول.
رد.
هذه المرة ماكانش فيه صوت رجل.
كانت صوت امرأة.
قالت بهدوء
كفاية بحث.
يوسف سأل