أول هدية وصلِتني، هو فتحها قدامي وقال لي مرات أبوكي عايزة تشتري حبك.
سكتت لحظة.
بعدها كل مرة كنت أستلم حاجة منك، كان بيخليني أرجعها.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
طب ليه ما قلتيليش؟
ضحكت ضحكة حزينة.
كنت 17 سنة وكنت خايفة أخسر أبويا كمان.
بصيت لجوزي.
كل الذكريات اللي كنت فاكرة إنها رفض منها بدأت تتغير قدامي.
كل طرد رجعته.
كل عيد ميلاد.
كل مرة وقفت فيها قدام الباب مستنية زيارة مش هتحصل.
كل مرة قلت لنفسي يمكن أنا السبب.
قالت
بس فيه حاجة أهم.
مسحت دموعي.
إيه؟
صوتها اتغير.
بقى جاد جدًا.
الملف الأزرق فيه جزء من الحقيقة.
وجزء؟
أيوه.
طب الجزء التاني فين؟
سكتت.
ثم قالت
في البيت القديم.
بيتكم؟
أيوه.
وإيه اللي فيه؟
سمعتها تتردد قبل ما تجاوب.
الغرفة اللي بابا قال لي إن ممنوع أدخلها بعد وفــ,,ـــــاه أمي.
بصيت لجوزي.
كان بيتراجع خطوة للخلف.
قلت
إنت كنت مخبي إيه في الغرفة دي؟
مردش.
صوتها قال
روحي هناك.
دلوقتي؟
دلوقتي.
ثم أضافت بصوت منخفض
بس خدي بالك
من إيه؟
قالت
لأنك لو لقيتي اللي أنا فاكرة إنه موجود هناك، هتعرفي إن أمي ما كانتش أول واحدة يحاول بابا يخليها تصدق رواية مش حقيقية.
وفجأة سمعت صوتًا خلفها في المكالمة.
كأن بابًا اتفتح.
قالت بسرعة
لازم أقفل.
استني!
لكن الخط اتقفل.
فضلت ماسكة التلفون.
بصيت لجوزي.
إحنا رايحين البيت القديم.
هز راسه.
مش هتروحي.
قلت
دي مش مشورتك.
وفجأة
سمعنا صوت خبط قوي على باب بيتنا.
مرة.
اتنين.
تلاتة.
جوزي بص ناحية الباب، ووشه اتغير تمامًا.
قلت
مين؟
مردش.
الخبط اتكرر.
وبعدين جه صوت رجل من ورا الباب
افتح يا محمد إحنا عارفين إن الملف عندك اتجمدنا إحنا الاتنين.
الخبط اتكرر.
دق دق دق.
وبعدين نفس الصوت قال
محمد افتح. إحنا مش جايين نأذي حد.
بصيت لجوزي.
مين ده؟
وشه كان أبيض.
معرفش.
قلت بعصبية
متكدبش عليا.
قرب من الباب وبص من العين السحرية، وبعدها رجع خطوتين.
مين؟
قال بصوت واطي
رجلين.
تعرفهم؟
سكت.
وده كان كفاية.
رجعت خطوة للخلف.
افتح.
لأ.
افتح وأنا هكون واقفة وراك.
هز راسه بعنــ,,ـــــف.
إنتِ مش فاهمة.
بالعكس أنا بدأت أفهم.
الخبط وقف.
لثواني، البيت كله بقى ساكت.
وفجأة سمعنا صوت ظرف بيتزحلق من تحت الباب.
جوزي قرب منه، لكني سبقته.
انحنيت وخدته.
كان ظرف بني، ومكتوب عليه بخط واضح
إلى المرأة التي لم تعرف الحقيقة.
قلبي دق بسرعة.
فتحت الظرف.
جواه صورة واحدة.
صورة قديمة لأم بنت جوزي.
لكن اللي خلاني أتجمد مش الصورة نفسها.
كان فيه شخص واقف جنبها.
رجل.
وشه مش واضح.
قلبت الصورة.
كان مكتوب على ظهرها
الصورة اتاخدت قبل وفاتها بثلاثة أيام.
بصيت لجوزي.
مين الراجل ده؟
مردش.
محمد مين الراجل ده؟
قال
مش عارف.
قربت منه بالصورة.
بص في عينه وقولي مش عارف.
سكت.
وفي اللحظة دي، تليفوني رن تاني.
كانت بنت جوزي.
رديت فورًا.
إنتِ اللي بعتي الصورة؟
قالت
لأ.
طب مين؟
أنا مش عارفة.
فيه ناس واقفة على بابنا وبتقول إنهم عارفين إن الملف عندنا.
سكتت.
وبعدين قالت
اقفلي الباب كويس.
إحنا قافلين.
واسمعيني كويس ما تديش الملف لأي حد.
ليه؟
صوتها ارتجف لأول مرة.
لأن الملف ده هو الحاجة الوحيدة اللي أمي خبّتها قبل ما تمــ,,ـــــوت.
بصيت للملف الأزرق.
بس إنتِ قلتي إن الحقيقة في البيت القديم.
جزء منها هناك.
والجزء التاني؟
صمتت.
قلت
قولي.
قالت
معايا.
اتصدمت.
معاكِ؟
أيوه.
طب ليه بعتِلي الملف؟
قالت
عشان بابا لازم يعرف إن اللعبة انتهت.
بصيت لجوزي.
كان واقف ساكت.
قلت
إنتِ عايزة إيه من أبوكي؟
ردت
مش عايزة منه حاجة.
ثم سكتت لحظة.
أنا عايزة منك إنتِ حاجة.
مني؟
أيوه.
إيه؟
قالت
عايزاكي تفتكري كل حاجة حصلت بينا من أول يوم دخلتي البيت.
دموعي نزلت.
ليه؟
قالت
لأن فيه موقف واحد حصل بينك وبيني وأنا عندي 17 سنة
سكتت.
والموقف ده هو اللي خلاني أصدق إنك كنتِ جزء من اللي بابا بيعمله.
قلت
إيه الموقف؟
لكنها لم تجب.
سمعت صوت نفس قريب منها.
ثم قالت بسرعة
لو بابا قالك إني كنتبكرهك، ما تصدقيهوش.
استني!
ولو قالك إني كنت بعيدة عشان أمي
توقفت.
عشان أمك إيه؟
جاء صوتها منخفضًا
أمي كانت لسه عايشة لما أنا قابلتك أول مرة.
اتجمد الدم في عروقي.
بصيت لجوزي.
هو وقع على الكرسي.
قلت
إيه؟
لكن المكالمة اتقفلت.
فضلت واقفة، مش قادرة أتكلم.
وبعدين افتكرت حاجة.
أول يوم قابلت فيه بنت جوزي
هو كان قال لي
أمها ماتت من سنتين.
لكن دلوقتي بنتها بتقول
إن أمها كانت لسه عايشة.
لفيت ناحية جوزي.
إنت قلت لي إنها ماتت قبل ما أعرفك بسنتين.
ما ردش.
وإنت كنت عارف إنها كانت عايشة؟
رفع عينه ببطء.
وقال جملة واحدة
أنا كنت بحاول أحميكي.
في اللحظة دي
رجع الخبط على الباب.
لكن المرة دي، ما كانش صوت رجل.
كان صوت بنت صغيرة
بتبكي.
وبتقول
يا طنط أنا بنتها. افتحيلي، بابا هي.ني لو عرف إني جيت هنا فضلت باصة للاسم كذا ثانية.
سلمى.
أخت أم بنت جوزي.
الست اللي جوزي أقنعني إنها ماتت من سنين.
رفعت عيني له.
إنت قلت لي سلمى ماتت.
قال بصوت متقطع
هي الموضوع معقد.
ضحكت من الصدمة.
كل حاجة عندك بقت معقدة!
البنت كانت واقفة جنبي، ماسكة شنطتها وبتبص لجوزي بخوف.
قلت لها
إنتِ عرفتي ماما منين؟
قالت
هي اللي ربتني.
اتجمدت.
يعني إيه؟
من وأنا صغيرة.
بصيت لجوزي.
ومامتك كانت فين؟
ردت
مش ماما الكبيرة ماما ليلى.
ثم أشارت للدفتر.
هي قالت لي إن أمي الحقيقية اسمها سلمى.
حسيت إن الأرض بتتحرك تحتي.
سلمى أخت أم بنت جوزي؟
هزت رأسها.
أيوه.
جوزي قال بسرعة
البنت دي مش فاهمة.
البنت بصت له وقالت
أنا فاهمة أكتر منك.
سكت.
فتحت الدفتر على صفحة تانية.
كان فيه كلام مكتوب بخط يد مختلف.
لو بنتي وصلت لمرات أبوها، يبقى لازم تعرف إن سلمى مش ميتة.
أنا ما صدقتش.
سلمى عايشة؟
جوزي غمض عينيه.
ما ردش.
فهمت.
إنت عارف مكانها.
قال
مش دلوقتي.
يعني كنت عارف!
بدأت أعيط من الغضب.
إنت كذبت عليا في أمها وكذبت عليا في أختها وخليتني 12 سنة ألوم نفسي على حاجة ما عملتهاش!
قال
كنت بحاول أحمي البيت.
رديت عليه
من مين؟
سكت.
البنت قالت
من الحقيقة.
التفتنا لها.
قالت
ماما ليلى قالت إن كل اللي حصل بدأ بسبب فلوس.
فتحت الشنطة وأخرجت ظرفًا بنيًا.
مدته لي.
ده أهم حاجة.
فتحته.
كان جواه عقد قديم.
قرأته مرة.
ثم مرة تانية.
كان عقد بيع لعقار كبير باسم أم بنت جوزي.
وتاريخ العقد كان قبل وفاتها بأربعة أيام.
بصيت لجوزي.
إنت بعت العقار؟
لا.
العقد عليه توقيعك كشاهد.
وشه اتغير.
أنا كنت مجبر.
مين أجبرك؟
ما ردش.
قلبت الورقة.
في آخر العقد كان فيه اسم المشتري.
سلمى.
شهقت.
أخت مراتك هي اللي اشترت العقار؟
جوزي قال
هي ما اشترتوش لنفسها.
أمال لمين؟
قبل ما يجاوب، تلفوني رن.
رقم مجهول.
رديت.
صوت امرأة كبيرة نسبيًا قال
متسأليش محمد عن سلمى.
قلبي دق بسرعة.
مين حضرتك؟
واحدة عارفة الحقيقة من البداية.
سلمى؟
سكتت ثانيتين.
ثم قالت
لا.
طب مين؟
قالت
افتحي الدرج اللي تحت في الملف الأزرق.
بصيت للملف.
كان فعلًا فيه درج صغير ماخدتش بالي منه.
فتحته.
لقيت ظرفًا أبيض.
قالت المرأة
هتلاقي جواه صورة.
فتحت الظرف.
طلعت صورة قديمة جدًا.
فيها أم بنت جوزي، وسلمى، وجوزي
لكن كان فيه شخص رابع واقف جنبهم.
رجل ما شفتوش قبل كده.
وتحت الصورة مكتوب
الرجل الذي كان الجميع يظن أنه مات.
الصوت على الهاتف قال
لو عايزة تعرفي مين هو
سكتت لحظة.
ثم قالت
بصي ورا الصورة.
قلبتها.
وكان مكتوب اسم واحد.
قرأته بصوت مسموع
أحمد.
جوزي أول ما سمع الاسم
وقع منه التلفون اللي كان في إيده.
والبنت قالت بصوت مرتعش
ده بابا الحقيقي جسمي كله اتنفض.
بنت؟
بنتها مين؟
بصيت لجوزي، لكنه كان واقف مكانه كأنه فقد القدرة على الحركة.
رجع الصوت من وراء الباب، أضعف المرة دي
يا طنط بالله عليكي افتحي. أنا عارفة إنك جوا.
قربت من الباب، لكن جوزي مسك دراعي.
متفتحيش.
بصيت له.
إنت عرفت الصوت؟
سحب إيده بسرعة.
لأ.
عرفت.
هز راسه.
البنت دي مين؟
مردش.
الخبط اتحول لخبطات سريعة.
يا طنط!
ثم سمعتها تقول
أنا بنتها أنا حفيدتها.
اتسعت عيني.
بنت جوزي عندها حوالي 30 سنة دلوقتي.
لكن البنت اللي ورا الباب صوتها صغير جدًا.
يمكن 12 أو 13 سنة.
فتحت الباب سلسلة صغيرة، وبصيت من الفتحة.
كانت بنت واقفة لوحدها.
شنطة مدرسية على كتفها.
وعينيها مليانة دموع.
أول ما شافتني قالت
إنتِ مرات جدو محمد؟
اتجمدت.
أيوه.
قالت
ماما قالت لي لو حصل لها حاجة أجيلك إنتِ.
جوزي خلفي قال بصوت حاد
مين أمك؟
البنت أول ما سمعت صوته، رجعت خطوة للخلف.
وشها اتغير.
وقالت
إنت!
وبعدين جريت بعيد عن الباب.
فتحت الباب بالكامل من غير ما أفكر.
جوزي حاول يمنعني.
متخرجيش!
لكن البنت كانت بتجري ناحية آخر الشارع.
نزلت وراها، وجوزي ورايا.
لحد ما وقفت عند عربية مركونة بعيد.
فتحت الباب الخلفي، وطلعت منها ستارة صغيرة وشنطة سوداء.
وبعدين قالت
ماما قالت لي ما أثقش في جدو.
بصيت لجوزي.
كان واقف بعيد.
قلت للبنت
مامتك مين؟
قالت
اسمها ليلى.
جوزي شهق.
أنا ما كنتش أعرف الاسم ده.
لكن واضح إنه يعرفه.
قرب خطوة.
ليلى مين؟
البنت رجعت للخلف.
متقربش.
صوته اتكسر
أنا مش هأذيكي.
قالت
ماما قالت إنك هتقول كده.
ثم مدت إيدها بالشنطة ناحيتي.
دي ليكي.
أخدتها.
كانت تقيلة.
فتحت السوستة.
لقيت جوه مجموعة شرائط تسجيل، وصور، ودفتر أسود.
وفوق الدفتر ورقة صغيرة.
فتحتها.
كان مكتوب
لو وصلتي للشنطة، يبقى بنتي وصلتلك قبلي.
وقفت أنفاسي.
البنت قالت
ماما عايزة تكلمك.
قلت
مامتك فين؟
بصت حوالين نفسها، وبعدين همست
في مكان محدش يعرفه.
هي عايشة؟
هزت راسها.
أيوه.
بصيت لجوزي.
كان شكله كأنه شاف شبح.
قلت
مين ليلى؟
فضل ساكت.
صرخت
مين ليلى يا محمد؟
قال أخيرًا
كانت شاهدة.
شاهدة على إيه؟
على اللي حصل لأم بنتي.
البنت قاطعته
لأ.
بصت له بثبات غريب.
ماما قالت إنك مش هتقول الحقيقة.
وبعدين بصت لي وقالت
هي قالت لي أقولك جملة واحدة.