وإنتي اللي جنيتي على نفسك، ومش عارفة إنتي فتحتي على روحك إيه!
نزلت، والجملة دي لزقت في عقلي زي المسمار.
قفلت الباب ووقفت مكاني وسألت نفسي ليه الرعب ده كله؟ وليه تخبي حاجة هتروح لبنتها في مكان مترب زي المطبخ تحت الملاية وماتحطهاش في شقة بنتها أو في أوضتها المقفولة؟
دخلت أوضة النوم، وسحبت أول كرتونة كانت أثقل من الباقيين، وقررت أفتحها عشان أتأكد إن مفيش حاجة
نقصت..
لكن أول ما قطعت اللصق وشلت طبقة البشاكير اللي على الوش، لقيت تحتيها حاجة مستحيل تكون من ضمن جهازي.. ولا جهاز بنتها.
واللي شفته جوة، كان أكبر وأخطر بكتير من مجرد أطقم حلل وشوية كراتين.
قفلت باب أوضة النوم بالمفتاح الجديد وسمعت صوت التكة بترن في أركان الأوضة الفاضية. قلبي كان بيدق في وداني بصوت عالي كأنه طبلة، وإيدي كانت بتترعش وأنا ماسكة المقص الصغير.
قعدت على ركبي قدام الكرتونة التقيلة. دي كرتونة طقم الحلل الجرانيت، أكبر واحدة فيهم والوحيدة اللي كان مقفول عليها بكذا طبقة لصق عريض زيادة عن اللزوم، ومحطوطة تحت سريري من يوم الفرح متفتحتش.
لما نزلتها من شقة حماتي كانت تقيلة بطريقة مش منطقية، شيلتها بصعوبة وأنا طالعة السلم وقولت يمكن عشان ألمونيوم ولا صاج مع الجرانيت، بس الإحساس بالشك كان بياكل في بطني زي السوس.
شديت اللصق بالمقص، وصوت تشريحه قطع السكون اللي كان مالي الشقة. فتحت الدرفتين الكرتون، كان أول حاجة على الوش فوطتين كبار وبشاكير قطن بتوعي اللي ماما مطرزاهم بإيدها، شيلتهم على جنب بحذر كأني بفتش في قنبلة مش في جهاز عروسة.
تحت الفوط، كان المفروض ألاقي كراتين الحلل الصغيرة.
بس ما لقيتش علب.
لقيت قماش قطيفة نبيتي قديم وملفوف حوالين حاجة جامدة، ومربوط بأستك عريض ومزنوق بين حواشي الكرتونة بإحكام غريب. مديت إيدي وأنا حابسة نفسي، شديت أول لفة قطيفة، وفككت الأستك براحة. القماش اتفتح بين إيديا، وبان لمعان باهت لمعدن تقيل ومطفي، مش صيني ولا كريستال.
كانت سبيكة دهب صغيرة، وعليها أختام مش مصرية، وجنبها كيس قماش شفاف فيه كومات غوايش وخواتم متقطعة ومشوهة ومكسورة، كأنها متجمعة من كذا حتة، وورق مالي مطبق بطريقة متقنة، دولارات ملفوفة برباطات بنكية تاريخها من سنين.
رجعت
لورا لزقت ضهري في حافة السرير، ونفَسي اتقطع.
دهب كسر، سبائك، وفلوس خضرا متكومة في كرتونة جهازي؟ الحاجات دي متسواش ملاليم، دي تتعدى مئات الآلاف، وممكن تعدي الملايين! إزاي الحاجات دي دخلت هنا؟ ومين حطها؟
مديت إيدي بالراحة في قعر الكرتونة وكملت تفتيش، يمكن ألاقي أي حاجة تفسر الكابوس ده. لقيت دفتر شيكات قديم باسم واحد عمري ما سمعت عنه، وورقة مبايعة لأرض في الصعيد، وأهم من ده كله.. صورة قديمة أبيض وأسود فيها عمي الله يرحمهحماياوهو واقف جنب راجل وشه مش غريب عليا، بس ملامحه متجهمة وعنده علامة جرح واضحة فوق حاجبه.
وفجأة، شفت دفتر جيب صغير جلده متقشر ومربوط بخيط أسود.
فتحته بإيد مرتعشة.
كان بخط إيد حماتي، خطها الرديء اللي بحفظه من ورقة الطلبات اللي كانت بتسيبها على الباب. أسماء، وأرقام، وتواريخ باليوم والشهر، وجنب كل اسم كلمة واحدة سداد، مستحق، محضر.
قعدت في مكاني مش قادرة أقوم ولا أفكر، والدنيا لفت بيا. الكراتين دي ما كانتش مسروقة عشان بنتها تتجوز بيهم، الكراتين دي كانت الخزنة المستخبية! حماتي كانت واخدة كراتين جهازي ستار، عشان دي الحاجة الوحيدة في البيت كله اللي محدش ممكن يشك فيها لو البيت اتفتش، ومحدش هيدور ورا جهاز عروسة مركون تحت السرير لحد ما تحتاجه.
ولما نقلتهم لتحت في المطبخ وغطتهم بالملاية، مكنتش بتسرقني..
كانت بتنقل المصيبة دي لمكان أسهل عليها في الحركة، بس اتفاجأت بيا نازلة أنضف قبل ما تلحق تصرفهم!
طب وطارق؟ جوزي عارف بالموضوع ده؟
طارق، الموظف الغلبان اللي بيخرج من تمانية الصبح لحد تسعة بالليل عشان يسد جمعية وأقساط عفش الشقة، طارق اللي لسه مسلفه منه أول إمبارح عشرة آلاف جنيه من دهبي عشان نصلح العربية، كان شريك في المصيبة دي ولا زيي أطرش في الزفة؟
فكرة إن طارق يكون عارف خلت جسمي كله يقشعر من الخذلان. بس قبل ما أكمل فكرتي، سمعت صوت حركة تحت في المدخل. صوت خطوات تقيلة وسريعة بتطلع السلم، مش خبطة حماتي المترددة.
دي خطوات حد مستعجل وعارف هو رايح فين.
جمدت مكاني. بصيت حواليا في الأوضة، الحاجة كانت متبعترة على السجادة الدهب، الورق، الفلوس، والمقص في إيدي. بسرعة جنونية، لميت كل حاجة ورجعتها جوة القماش النبيتي، رميتها في الكرتونة، وحطيت البشاكير فوقيها، وقبل ما أقفل درف الكرتونة، سحبت الموبايل وصورت كل ورقة، وصورت السبيكة بختمها ودفتر الشيكات والصورة القديمة في لقطات سريعة واضحة، ورفعت الصور كلها على إيميل سري ماليش غيره عشان لو الموبايل حصله حاجة.
رجعت الكرتونة مكانها بعنف وزقيتها برجلي تحت السرير، وقومت عدلت هدومي وطرحتي، ومسحت عرق بارد كان مغرق جبهتي.
وفجأة، جرس الشقة رن.