مش رنة عادية. ده كان ضرب متواصل، تكتين ورا بعض، وبعدين رزع خفيف على الخشب.
روحت ناحية الباب على طراطيف صوابعي، وبصيت من العين السحرية.
كان راجل طويل، لابس قميص كحلي كاجوال، باين عليه في أواخر الأربعينات، وشه صارم جداً، ومعاه شنطة جلد صغيرة تحت باطه. واقف وباصص في الأرض ومستني، وورا الراجل ده بمسافة درجات سلم، كانت حماتي واقفة، باصة لفوق ووشها أصفر زي الليمونة ومكتومة في عياط مكتوم.
الراجل مد إيده ورن تاني، وبعدها قال بصوت واطي بس واصل من ورا الباب افتحي يا أستاذة نورهان، إحنا مش جايين نعمل دوشة، عايزين كلمتين بالعقل وخلاص.
عرف اسمي منين؟
مسكت أكرة الباب جامد، واتكلمت من غير ما أفتح، بصوت حاولت على قد ما أقدر أخليه ناشف ومش خايف
مين حضرتك؟ وطارق مش هنا، لو في حاجة تعالوا لما جوزي يرجع.
الراجل اتنهد تنهيدة طويلة، وبص على العين السحرية كأنه شايفني أنا عارف إن طارق مش هنا، وعارف إنه في شغله في مصر الجديدة، والموضوع ملوش دعوة بطارق أصلاً، الموضوع يخص الست والدتك ويخص الأمانة اللي نزلتيها من شقة الحجة تحت من ساعتين.
الأمانة اللي تخص والدتي؟!
الدم غلي في عروقي. هو بيتكلم عن أمي أنا؟
فتحت الباب وسبت السلسلة متعلقة، وبصيت له من فتحة الباب الضيقة أمانة إيه وأمي مين؟ إنت مين أصلاً وجاي بيتي بصفتك إيه؟ وحماتي جيباك هنا ليه؟
حماتي طلعت درجة بسرعة، ومدت إيدها تحاول تمسك كتف الراجل عشان تهديه، وقالتلي بصوت مخنوق ومترجي عمري ما سمعته منها افتحي يا نورهان يا بنتي.. افتحي ده الأستاذ معتز، المحامي بتاع المرحوم عمك، والراجل ده جاي يحل، افتحي متخربيش بيتك بإيدك!
معتز ابتسم نص ابتسامة هادية بس فيها غدر واضح، وطلع من جيبه بطاقة كارنيه نقابة المحامين وميلها قدام الفتحة عشان أشوفها يا مدام نورهان، إحنا ناس ولاد حلال وبنتكلم بالقانون وبالأصول.
الكراتين اللي نزلتيها دي مش جهاظك، دي فيها ورق وتصفيات تركة تخص ورثة عمك الله يرحمه في البلد، وحماتك كانت شايلاها هنا عشان كان في نزاع عليها في المحاكم، وتفتيشك في الحاجات دي هيورطك في قضية إخفاء أموال ومستندات رسمية.
كلامه كان مترتب وجاهز، كأنه حافظه من سنين، بس هو ميعرفش إني شفت اللي جوة، ميعرفش إني شفت الدهب المكسور والفلوس وتواريخ الدفتر اللي مكتوب فيها أسماء ناس ميتين وناس عايشين.
قلت له ببرود كراتين جهازي عليها اسم معرض التوحيد في شبرا، وعليها اسم أمي ورقم تليفونها بالماركر، والكالون بتاع أوضة نومي اتغير، ومفيش ورقة واحدة طالعة من شقتي غير لما طارق يجي ويكون معايا، ويا مرحب بالحكومة والمحاكم، خلوا المباحث تيجي تفتح الكراتين قدام الناس كلها ونشوف الإخفاء ده بتاع مين وباسم مين!
وش معتز اتقلب في ثانية. البرود والهدوء اللي كان عليه اتبخر، وظهرت الشراسة الحقيقية ورا وشه المنمق. قرب وشه من فتحة الباب وهمس بلاش نكبر الموضوع يا نورهان.. طارق شاب في أول حياته ومش حمل قضايا، ووالدتك ست مريضة سكر وضغط ومش حمل فضايح في منطقتها.
الحاجة دي هتخرج من هنا بالهدوء، وحماتك هتديكي حق جهاظك وزيادة عليه مية ألف جنيه تفرشي بيهم شقة جديدة في أي حتة تانية غير هنا، لكن لو راسك نشفت.. أنتي اللي هتكوني كبش الفدا، والكراتين دي هتبقى حبل المشنقة اللي حوالين رقبة جوزك.
حماتي مسكت في ذراعه وقالتله اهدى يا معتز، البت متفهمش، متدخلش طارق في الليلة، طارق ملوش ذنب!
هنا بقى الخيط اتفك تماماً في دماغي.
حماتي مش قوية زي ما كانت بتمثل، حماتي كانت مجرد أداة، ومربوطة من إيدها اللي بتوجعها. ومعتز ده مش مجرد محامي تركة، ده الراجل اللي بيدير اللعبة دي كلها، وطارق..
طارق فعلاً ملوش ذنب، أو على الأقل مش هو المحرك الأساسي، بس هما مستعدين يضحوا بيه لو الحبل ضاق عليهم.
قفلت الباب في وشه ورزعت الترباس، ومردتش على صوت خبطه.
افتحي يا نورهان بدل ما نتصرف تصرف تاني مش هيعجبك! صوت معتز كان عالي المرة دي، فيه توتر مكتوم، بيخبط برجله على الباب.
جريت على الأوضة، طلعت تليفوني بسرعة، وكتبت رسالة لأمي بكلمات مشفرة إحنا متفقين عليها عشان متتخضش ماما، خالي يجيلي حالا ومعاه عمي حسين ضروري، فيه ناس عند الشقة بيتبلوا علينا في موضوع الجهاز، بسرعة.
وبعدها،
طلبت رقم طارق.
التليفون رن.. رنة.. اتنين.. تلاتة.
كنت بدعي ربنا يرد قبل ما اللي برة دول يكسروا الباب، أو حماتي تفتح بالمفتاح الاحتياطي اللي كانت عاملاه للباب الخارجي زمان قبل ما أغير الكوالين.
طارق رد، وصوته كان باين فيه دوشة الشغل ومطحون بين الورق والعملا ألو، إيه يا نورهان؟ في حاجة ولا إيه؟ أنا في اجتماع مع المدير ومش فاضي.
طارق، اسمعني كويس وبلاش مقاطعة، صوتي كان بيترعش بس حازم لدرجة خلته يسكت فوراً.